أطروحات ومواقف فلسفية حول مفهوم الغير
مفهوم الغير (autrui)
تقديم المفهوم
تعد مسألة الغير من أبرز الإشكاليات الفلسفية التي حظيت باهتمام الفلاسفة
عبر العصور وخاصة في الوقت الراهن. تتجسد هذه الإشكالية في مجموعة من الأسئلة
المحورية: كيف نثبت وجود الغير؟ وكيف ندرك الآخر ونعرف حقيقته؟ وما طبيعة العلاقة
التي تربطنا بالغير؟ هذه الأسئلة وأخرى تطرح تحديات معرفية وأخلاقية عميقة، وتدفعنا إلى
التفكير في طبيعة الوعي والذات والعالم من حولنا.
باختصار شديد، إن إشكالات مفهوم الغير تتعلق بمحاولة فهم طبيعة الوجود
المستقل للآخر، وكيفية تفاعل هذا الوجود مع ذاتنا، وكيف يمكن بناء علاقات قائمة
على الاحترام المتبادل والتفاهم مع هذا الآخر وتكوين صدقات.
وهذا ما سنعالجه من
خلال المحاور الأتية: وجود الغير – معرفة الغير – العلاقة مع الغير.
المحور الأول: وجود الغير
تقديم إشكالي:
في مقابل فلسفة الذات
أو الوعي (فلسفة ديكارت وكانط مثلا)، لم يتبلور مفهوم الغير إلا في الفلسفة
المعاصرة وبالخصوص مع الفيلسوف "هيغل" في معرض حديثة عن جدلية
"العبد والسيد"، وفي وجودية "سارتر"، وفينومينولوجيا
"هوسرل"...الخ؛ والفكرة الجوهرية في هذه الفلسفات هي أن الغير شرط ضروري لكي
يتحقق الوعي الذاتي. ومن هنا نتساءل:
ما الغير؟ ما
الوجود؟ هل وجود الغير إغناء للذات، أم إفقار وتهديد لها؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن للأنا
أن تَعِي ذاتها بمعزل عن الآخرين؟
أولا: فلسفة الذات
تؤكد هذه الفلسفة في شخصها روني ديكارت على أن العقل خاصية إنسانية تميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية الأخرى، وبفضله يتيح له الوعي بذاته وبالآخرين. وما دام التفكير لا يمكن أن يصدر إلا عن ذات موجودة. وهذه حقيقة يقينية وبديهية قادني إليها فعل الشك كنوع من التفكير، إذ لا يمكنني الشك فيها إطلاقا وهي "أنا أفكر، إذن أنا موجود". وكما أنه لست في حاجة إلى وساطة الغير لإثبات هذه الحقيقة فما دمت أفكر فأنا موجود، وإذا انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود أيضا. وهكذا أعي ذاتي بذاتي وأدرك وجودي من تلقاء ذاتي وفي استقلال تام عن كل معطيات العالم الخارجي بما في ذلك وجود الغير الذي هو وجود محتمل وجائز بالنسبة للأنا.
ثانيا: فلسفة الغير
من وجهة نظر
الفلسفة الوجودية، يؤكد سارتر أن الغير شرط ضروري لوجودي ومعرفتي بنفسي،
ذلك أن الوعي لا يكون في البداية منعزلا، ثم بعد ذلك يلتقي بوعي الآخرين، بل إن
الوعي لا يتشكل إلا بواسطة الآخرين ومن خلالهم. الغير، حسب سارتر، هو
"الأنا الآخر" الذي ليس أنا، إنه "الوسيط بيني وبين نفسي".
وإذن فالوعي بالذات لا يتحقق بالعزلة عن الآخر (كما هو الشأن عند ديكارت) بل يتحقق عبر الغير ومن خلالهم.
يشرح سارتر
وجهة نظره من خلال مفهوم "النظرة" (le
regard).
إن نظرة الآخر لي تهددني وتجمدني وتحولني إلى مجرد شيء، ذلك أن هذه النظرة تسلبني
حريتي وتقتل عفويتي وقدرتي على الفعل والمبادرة، وأكبر شاهد على ذلك هو الخجل.
فهو شعور يتحقق في داخلي، وبيني وبين نفسي، من خلال حضور الغير في وعيي. إن الخجل
في أصله خجل أمام شخص ما. لقد أقدمت على فعل سخيف ومبتذل [مثال الحسود الذي يتجسس
عبر ثقب الباب]، لا أكتشف سخافة هذا الفعل وسوقيته إلا إذا اكتشفت أن أحدهم
يراقبني؛ وعندئذ أشعر بالخجل، أي أخجل من نفسي كما أبدو في عين الغير. فالخجل
بطبيعته اعتراف كما يراني الغير، وبالتالي ما كنت لأتعرف على نفسي هكذا لولا وجود
الغير. إن نظرة الغير تجعلني أدرك جميع بنيات وجودي، ونفس الشيء ينطبق عليه
هو أيضا. إنه يجعلني أدرك وضعية العبودية التي حشرتني فيها نظرته، ولولا هذه
النظرة لما أدركت وجودي باعتباره وجودا متعاليا.
مارتن هايدغر: تهديد الغير
يرى الفيلسوف
الألماني مارتن هايدغر (1889-1976) أنه لا وجود لذات معزولة عن الذوات
الآخرى في البداية، بل إن الوجود في العالم هو وجود مشترك مع الآخرين. هذا
المشترك حسب هايدغر، غارق في اليومي وتفاهته؛ فهو يُفرغ الذات (أو بكلمة
هايدغر الموجود-هنا) من خصوصيتها وكينونتها التي تميزها عن الذوات الأخرى،
وتُذيب كل الاختلافات والتمايزات، ومن ثم يفقد الموجود-هنا شخصيته عندما
يقع تحت سيطرة ونفوذ "الهم" (أي الجمهور أو الرأي العام) الذي يفرض على الواقع اليومي أسلوب وجوده. ومن هنا تأتي
ضرورة التفكير في "الدازاين" كإشكالية بين هذه الذوات من أجل
البحث وتَقَصِّي هذا الوجود.
المحور الثاني: معرفة الغير
تقديم إشكالي
أقرت الفلسفة
المعاصرة أن الوجود في هذا العالم هو وجود مشترك، وأن الغير هو الشرط الضروري
لمعرفة الذات والوعي بها. ومن هنا تيسر لنا أن نتساءل هذه المرة عن معرفة الغير:
هل يمكن معرفة الغير؟ وبأية وسيلة؟ أم أن كل سعي إلى معرفة الغير سيكون مآله
الفشل؟ بعبارة أخرى، إذا كانت معرفة الغير ممكنة فما وسائلها وشروطها؟ وإذا كانت
مستحيلة فما هو العائق الذي يحول دون هذه المعرفة؟ وعلاوة على ذلك، هل معرفة الغير
ممكنة عبر الاستدلال بالمماثلة، أي الحكم على الغير انطلاقا من تجربتي الشخصية؟
أليست معرفة الغير وهم وظن وتخمين وافتراض؟ وأخيرا، هل التعاطف والبينذاتية
والحوار والتواصل سبل لمعرفة الغير؟
1) معرفة الغير عبر المماثلة مستحيلة فهي مجرد تخمين وافتراض
يرى مالبرانش (فيلسوف فرنسي) أنه يستحيل أن نتعرف على وجه الدقة وعي الآخرين وأفكارهم وأحاسيسهم. غير أنني
أستطيع على الأقل، اعتمادا على المعرفة التي لدي عن حالات وعيي وشعوري الخاصة، أن
أفترض أو أخمِّن ما يجري في وعي الآخرين. إن مثل هذه المعرفة تعتمد على مايسمى بالاستدلال
بالمماثلة (analogie). يقول مالبرانش:
"نجن نفترض أن نفوس الآخرين هي نفس نوع نفوسنا، وما نشعر به نزعم أنهم يشعرون
به". غير أن هذه المعرفة بواسطة المماثلة لا تكون يقينية وصحيحة إلا عندما
يكون ما نشعر به منقطع الصلة بالجسم. أنا أستطيع مثلا أن "أفترض" أن
الآخرين يحبون الخير واللذة، ويمقتون الشر والألم ، ويرغبون في السعادة مثلي
تماما. وأنا على حق في كل هذا. أما فيما يخص الأحاسيس، كونها مرتبطة بالجسم، فإننا
نخطئ عندما ننسبها إلى الآخرين، مفترضين أنهم يشبهوننا هنا أيضا. إذن، إن
المعرفة التي لدينا عن الآخرين غالبا ما تكون عرضة للخطأ عندما نستند في حكمنا إلى
الأحاسيس التي لدينا عن أنفسنا فقط.
2) البينذاتية أساس معرفة الغير
يرى الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل
أن الخاصية الأساسية للوعي هي القصدية. فكل فعل من أفعال الوعي
(تذكر-تمثل-رغبة...) يقصد موضوعا ما ويتوجه نحوه. غير أن كل واحد منا يدرك الأشياء
من موقعه الخاص، أي أن ما نتوجه إليه جميعا وما نشترك في معرفته يصل إلى الوعي
بطرق مختلفة، وما أدركه الآن قد يكون مدركا من قبل الآخرين الآن أو في زمن آخر.
وهذه تسمى بواقعية العالم البينذاتي. ويؤكد هوسرل أن معرفة الغير تتحقق
بتجربة غير مباشرة، ويسميها بالتوحد حدسيا بالآخر؛ وهذا التوحد يتحقق عندما
أضع نفسي بالفكر مكان الغير، ويضع الآخر نفسه مكاني في العالم. هذه التجربة
الأصيلة بين وعيي ووعي الآخر، والتي يظل فيها كل واحد ذاتا، يسميها هوسرل:
البينذاتية.
3) ماكس شيلر: إدراك الغير باعتباره كلاً
يهاجم ماكس شيلر (فيلسوف
ألماني معاصر) أطروحة "الاستدلال بالمماثلة" كوسيلة واحدة للنفاذ إلى
عالم الغير. ويرى بالمقابل أن معرفة الغير لا تتم إلا في شموليته ولا يجوز تقسيمه
إلى أجزاء والحكم عليه من الخارج دون الاطلاع على ما يدور في باطنه، كما هو الحال
في العلوم الطبيعية، لأن الظاهرة الإنسانية لها خصوصياتها.
4) غاستون بيرجي: عزلة الأنا
في مقابل المواقف القائلة بإمكانية
معرفة الغير، يرى غاستون بيرجي (فيلسوف فرنسي معاصر) أن هذه المعرفة
متعذرة، أو بالأحرى، مستحيلة. وقد توصل إلى هذه النتيجة انطلاقا من قراءته للتجربة
الحميمية. زهي تجربة وجودية ذاتية يحياها الإنسان وحده فقط. وبوصفها تجربة خاصة
وحميمية فهي غير قابلة للنقل والتقاسم. إنها تجربة العزلة بامتياز. ذلك أن
الذات حسب بيرجي تعيش في عالم
سري ومنغلق كأنها داخل سجن محاط بسور لا يمكن اختراقه لمعرفة ما يجري داخله.
والآخر لا يستطيع أبدا أن يطلع على ما تعيشه أو تحياه، إن فرحا أو حزنا أو ألما،
يبقى شيئا يخص الذات وحدها. إن انغلاق عالم التجربة الذاتية ينطبق على جميع الذوات
لذلك نجده يقول: "...إن الإنسان يموت وحيدا كما يولد وحيدا، والآخرون لا
يستطيعون أن يموتوا مكانه أو يولدوا مكانه، إنه سجين في معاناته، منعزل في
مسرّاته، ووحيد في موته."
المحور الثالث: العلاقة مع الغير
تقديم إشكالي
قرر أرسطو منذ القدم أن الإنسان
"حيوان اجتماعي" بطبعه، وهذا يعني أنه كائن لا يستطيع أن يكفي
حاجاته بنفسه؛ وبالتالي لا يقدر أن يعيش وحيدا منعزلا. وهنا نطرح السؤال: ما طبيعة
العلاقة مع الغير؟ أهي علاقة صداقة وتعاطف، أم عداوة وتنافر؟ أو بعبارة أبسط، هل
هي علاقة إيجابية أساسها الصداقة، أم سلبية مبنية الصراع؟ وعلاوة على ذلك، هل علاقتي مع الشخص القريب هي نفس
العلاقة مع الشخص الغريب؟
أرسطو:
الصداقة أساس العلاقة مع الغير
يرى أرسطو في كتابه "الأخلاق
إلى نيقوماخوس" أن الإنسان مهما كان سنه ومهما كانت مرتبته الاجتماعية،
فهو في حاجة إلى أصدقاء. لذلك فماهية العلاقة التي تربط الإنسان بالآخرين، إنما هي
الصداقة التي تتأسس في الوقت نفسه على المنفعة والمتعة والفضيلة[1].
يؤكد أرسطو على
فضيلة الصداقة، باعتبارها أشدّ الحاجات ضرورةً للحياة لأنه لا أحد يقبل أن يعيش
بلا أصدقاء ولو كان له مع ذلك كل الخيرات. أضف إلى هذا أن قانون الطبيعة يقضي بأن
الحب إحساس فطري في قلب الكائن الذي يَلِدُّ نحو الكائن الذي ولده. والأكثر من
ذلك، يعتبر أرسطو الصداقة هي "رابطة الممالك" وأن المشرعين يشتغلون بها
أكثر من اشتغالهم بالعدل نفسه. وهذا يعني أنه متى أحب الناس بعضهم بعضاً لم تعد
هناك حاجة إلى العدل؛ فالصداقة إذن ليست فقط ضرورية ولكنها إضافة إلى ذلك جميلة
وشريفة. وهكذا فإن كثير من الناس يشتبه عليهم لقب الرجل الفاضل بلقب الرجل
المُحِب على حد تعبير المعلم الأول (أرسطو).
إيمانويل كانط: المعاملة الأخلاقية هي أساس العلاقة مع الغير
قسم الفيلسوف كانط في كتابه ميتافيزيقا
الأخلاق الواجبات إلى قسمين: واجبات الإنسان نجو ذاته وواجباته نجو غيره. وما
يهمنا هنا هو النوع الثاني.
يرى كانط أنه في ممارستنا
لواجباتنا تجاه الآخرين تكون مصحوبة بعاطفتي الاحترام والحب. وما يجب أن
نفهمه من كلمة "الحب" هنا هو الإحسان إلى الغير لأنه غاية في ذاته مثلي
أنا تماما. أما احترام الغير فيتمثل في عدم اعتباره مجرد وسيلة لتحقيق أغراضي.
وهناك اختلاف كبير بين أثر كل منهما
في علاقتنا بالغير. ذلك أن الحب المتبادل يقربني من الغير ويجذبني إليه؛ أما
الاحترام، فيدعوني إلى الحفاظ على مسافة تفصل بيني وبينه. وهذا الاختلاف هو ما
يجعل الصداقة مثلا أعلى (idéal) يتعذر تحقيقه
على أرض الواقع لأنه من الصعب أن يتساوى الحب والاحترام بين الطرفين (الأنا
والغير)، وهذا التساوي ضروري للصداقة الحقة.
إن الصداقة حب واحترام حسب كانط،
فالصداقة: "اتحاد بين شخصين يربط بينهما حب متبادل واحترام متكافئ".
والصداقة بهذا المعنى -باعتبارها مثال- بعيدة كل البعد عن الواقع، والسبب في ذلك
هو صعوبة التوفيق بين واجب الحب (وهو دافع جذب) وواجب الاحترام (وهو دافع تباعد).
خلاصة القول إن الصداقة، حسب كانط،
ليست رابطة غايتها تبادل المنافع، بل هي رابطة يجب أن يكون أساسها أخلاقي خالص
يتمثل في واجب حب الغير (أي الإحسان إليه وتقديم العون له) وواجب
احترامه (أي معاملته دوماً كغاية في ذاته).
أوغست
كونت: الغيرية
من منظور النزعة الوضعية1، يرى أوغست
كونت (فيلسوف فرنسي) أن الإنسان يعيش
بفضل الغير وواجب عليه أن يحيا من أجل الغير. ذلك أن الفرد مدين للإنسانية بكل
شيء، الأمر الذي يستوجب منه رد هذا الدين من خلال الانفتاح على قضايا الآخرين
وهمومهم والتضحية من أجلهم، وذلك بالتخلي عن أنانيته الهمجية. وهذه دعوى إلى الغيرية.
مما سيترتب عن هذه الأخيرة، نشر قيم التضامن والتعايش والأمن والاستقرار داخل
المجتمع.
ألكسندر كوجيف: العلاقة مع الغير هي دائما علاقة صراع
ليست العلاقة مع الغير قائمة على
الصداقة (أرسطو وكانط) ولا على الشفقة (روسو) وإنما على مبدأ الهيمنة والصراع
كما يذهب إلى ذلك كبير شراح الفلسفة الهيجيلية ألكسندر كوجيف.
يرى "كوجيف" أن
الإنسان إما سيد الغير أو عبده. وبالتالي فهو لا يخرج عن هذه العلاقة التراتبية
القائمة على الصراع من أجل نيل الاعتراف وفرض الهيمنة. هذا الاعتراف لا يقدّم إلا
عبر صراع يخاطر فيه الطرفان بحياتهما من أجل إثبات الذات لينتهي إلى غالب ومغلوب
أي عبد وسيّد. إن العبد يخاف الموت فيضع حياته رهن إشارة السيد؛ وبذلك يفقد إرادته
وحريته، ويصير وعيا تابعا وكائنا من أجل الغير. وهكذا، لا يتكوّن الوجود البشري
إلا من خلال الصراع. ومن ثم فإن تاريخ الإنسانية هو تاريخ تفاعل وصراع بين السيادة والعبودية.
جوليا
كريستيفا: العلاقة مع الغير علاقة غرابة
ليس الغير حسب كريستيسفا
(فيلسوفة بلغارية) مجرد فرد آخر يقف أمامنا، بل هو جزء لا يتجزأ من هويتنا، والذي
نتشكل من خلاله، والذي نتعلم منه. فاللغة مثلا تنشأ من خلال التفاعل مع الغير، فهي
ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وسيلة لبناء العلاقة مع الغير وتشكيل الهوية
الجماعية. لذلك لا ينبغي أن نقبل بالتصور السائد حول الغريب بوصفه المختلف عن
الجماعة، والذي يهدد وحدتها وهويتها، كما أنه ليس ذلك الدخيل المسؤول عن شرور
المدينة أو العدو الذي يتعيّن القضاء عليه. تقول كريستيفا: "إن الغريب يسكننا على نحو غريب". لا ينبغي أن تفهم هذه العبارة بالمعنى التقليدي وهو الشخص الغريب أو الأجنبي، بل هو جزءا لا
يتجزء منا -بالرغم من صفات الغرابة والاختلاف-هذا الجزء ليس بالضرورة سلبيا، بل هو
جزء أساسي من هويتنا. وهذا ما يدعونا إلى التفكير في علاقتنا مع الشخص القريب
والغريب على حد سواء. إنها دعوى بالأساس إلى تقبل الاختلاف والتنوع، والاعتراف بأن
الآخر ليس مجرد فرد آخر، بل جزء من أنفسنا.
تركيب
في الختام، علينا
ألا نغفل أبدا أن مفهوم الغير له صلة وثيقة بمفهوم الشخص، وأن
الحديث عن واحد منهما لا يستقيم إلا من خلال استحضار الآخر؛ على أن الأمر لا يتعلق
بترابط مفهومين فقط بل معرفة وجود الغير أمر ضروري للوعي بالذات لأننا نعيش في وسط
مشترك تنسج فيه الذات مع الآخر علاقة قوامها المحبة والاحترام المتبادلان. وفي
الأخير يمكن القول، إن الغيرية هي سبيلنا إلى التحرر من أنانيتنا الضيقة
ومصالحنا الشخصية، وهي طريقنا إلى إقامة مجتمع يعيش فيه الإنسان من أجل الغير،
مادامت حياته كلها بفضل الغير (الإنسانية).
تدقيقات مفهومية
الغير «autrui» : يحيل مفهوم الغير إلى التمييز
والاختلاف والتعدد والنفي ويعني فلسفيا "الأنا الآخر" تلك الأنا التي
ليست بأنا على حد تعبير جون بول سارتر، أي تلك الأنا التي تشبهني في أشياء
وتختلف عني في أخرى وتتميز بمقومات الوعي والإرادة والحرية.
الكوناتوس «conatus» : مفهوم أبدعه الفيلسوف "اسبينوزا[2]"
ويعني به ذلك الجُهد الذي يُبذله الإنسان وهو يثابر في وجوده. بمعنى، حركة
المثابرة في الوجود.
الكونية
«universelle» : هي مجموع النظريات
والمذاهب والإشكالات الفلسفية المعروفة في كتب تاريخ الفلسفة، أي ما أنتجه العقل
الإنساني أو ما أفرزه البحث العلمي الذي تتغذى منه.
v الدازاين
«dasein» :
هو ذلك الكائن الذي يكمن جوهره في وجوده حسب "مارتن هايدغر[3]"،
ويعني الوجود (الفردي بالخصوص) أو "معنى أن توجد" (الوجود هنا). ويظل
مصطلح الدازاين مرجعا يشير إلى ما هو إنساني فيشمل الوعي والذات والروح والإنسان
والعمل... والأكثر من ذلك يعتبر هايدغر الدازاين كيان يمكن من خلاله تقصّي
الوجود والتشكيك فيه. إنه تقصٍّ للكينونة على حد تعبيره.
v الوجود-مع: بالألمانية "متسن" ويعني وجود في عالم
بينذاتي مشترك بين الذوات.
v الوجود-هنا: وهو الوجود الفردي الخاص والمستقل (معنى أن توجد
أو أن تكون).
v المعرفة «connaissance»:نشاط
عقلي يتم من خلاله إدراك الذات العارفة لموضوع المعرفة بهدف إعادة بنائه.
v المماثلة «analogie»:
هي عملية إسقاط مشاعر وأحاسيس الذات على مشاعر وأحاسيس الغير والعكس صحيح أيضا.
v البينذاتية: «intersubjectivité»: مفهوم فلسفي معاصر ويعني العالم الإنساني المشترك بين الذوات
الواعية.
v العالم «monde»:
ليس المقصود بالعالم هنا هو مجموع مكونات الوجود (الأشياء والموضوعات) بل
العالم الفردي الإنساني الخاص.
v التواصل «communication»: خروج الذات من
عالمها المنغلق والمنعزل وانفتاحها على عالم الآخرين.
v
القصدية «intentionalité»: هو مفهوم
فلسفي يشير إلى علاقة خاصة تربط العقل بالأشياء في العالم. "كل وعي هو وعي
بشيء ما" سواء كان هذا الشيء موجودا بالفعل أم مجرد فكرة أو تخيل.
v العلاقة « relation »: هي رابطة إنسانية بين الأنا والغير. قد تنبني هذه العلاقة على الصداقة
والحب والاعتراف، وقد تنبني على الصراع والغرابة والإقصاء...
v الصداقة «amitié»:
حسب كانط مثال (idéal) بالمعنى
الأفلاطوني للكلمة
.وهي تعني اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام. والصداقة
هي اختبار بعضنا البعض بين الفينة والأخرى.
v الحب «amoure»: هو الإحسان إلى
الغير لأنه غاية في ذاته مثلي أنا تماما.
v الاحترام
«respect»: يتمثل في عدم
اعتبار الغير مجرد وسيلة لتحقيق أغراضي.
v غاية في ذاته (أو الشيء في ذاته): مفهوم أبدعه الفيلسوف كانط
ويعني، ما وُجد من أجل ذاته ولم يوجد كأداة في يد الآخرين.
v الصراع «chutte»:
موقف تنافسي بين الآنا والآخر حول المصالح والمواقف، فيسعى كل من الآنا
والآخر إلى الدفاع عن مبادئه وإثبات ذاته.
v الغرابة «étrangeté»: هي
علاقة بين الأنا والغير يتردد فيها الإنسان عندما يشعر بالخوف أو التعاطف مع
الغير؛ إنها علاقة معقدة وغامضة.
v الغيرية «altruisme»: وهي نكران الذات والميل نحو الغير والتضحية من
أجله، ويقابلها الأنانية (agoïsme).
v الأنانية «agoïsme»:
مفهوم فلسفي وأخلاقي يشير إلى التركيز المفرط على الذات ومصالحها الخاصة
على حساب مصالح الآخرين. وهي سلوك يتميز بوضع الرغبات والحاجات الشخصية في صدارة
الأولويات، حتى وإن تطلب ذلك التضحية بمصالح المجتمع أو العلاقات الاجتماعية.
v الإنسانية «Humanisme»: هي مفهوم فلسفي واسع النطاق يشير إلى مجموع الصفات والخصائص التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية. وهي تتجاوز مجرد الكائن البيولوجي، لتشمل الجانب الأخلاقي والمعنوي والاجتماعي للإنسان.
[1] الفضيلة (vertu): في معناها الأصلي تعني
الشجاعة، وبمعنى عام تعني القدرة على تحقيق أثر وفي معناها الحديث هي الاستعداد
لفعل الخير. ويقابلها الرذيلة (vice).
1 النزعة الوضعية (positivisme): هي اتجاه فلسفي يعتمد على
الملاحظة والتجربة العلمية كأساس لبناء المعرفة، وترفض أي معرفة لا يمكن التحقق
منها تجريبياً. بعبارة أخرى، هي نزعة تركز على الحقائق القابلة للقياس والملاحظة،
وترفض بالمقابل كل التفسيرات اللاهوتية والميتافيزيقية التأملية التي لا يمكن
إثباتها علمياً.
[2] باروخ اسبينوزا فيلسوف هولندي ينتمي إلى الحقبة الحديثة في الفلسفة من مؤلفاته: الإتيقا،
رسالة في إصلاح العقل، رسالة في اللاهوت والسياسة...
[3] فيلسوف ألماني معاصر من أهم مؤلفاته: "الوجود
والزمن"...
