مفهوم العنف: أشكاله ومظاهره
مقدمة
تعد ظاهرة العنف من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية، وإن كانت قد تطورت وانتشرت في عصور أكثر من غيرها، وخصوصا في الفترة المعاصرة (الإرهاب)، الأمر الذي يبعث على القلق ويستدعي التأمل فيها. لأنها حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والظروف الاقتصادية... يعرف "لالاند" العنف في موسوعته بأنه: "استعمال غير مشروع للقوة، من خلال فرض كائن ما على كائن آخر خلافا لطبيعته دون وجه حق أو قانون." ومن هذا التعريف نستنتج أن العنف هو "كل عمل قاس غير مشروع يؤذي الآخر، وهو سلوك له مبرراته يقوم على إقصاء الآخر وعدم الاعتراف بوجوده". هذا وقد اتخذ العنف أشكالا متعددة ومتنوعة عبر التاريخ. يطرح الوضع البشري الراهن العديد من المشكلات المتصلة بعلاقات الأفراد والمجتمعات مع بعضهم البعض، ولعل الملفت للنظر في هذا الإطار هو تفشي العنف واتساع نطاقه على الرغم من وجود القوانين والضوابط الاجتماعية والسياسية. من هنا تتولد الحاجة إلى التفكير في معضلة العنف عبر البحث في طبيعته وفي أسبابه ومبرراته. لذلك تيسر لنا طرح التساؤلات التالية: ما العنف؟ ما أشكاله؟ ما أسبابه؟ وما علاقة العنف بالسياسة؟ وعلاوة على ذلك، هل العنف فطري أم مكتسب؟
أولا: العنف المادي (الفيزيائي)
وهو بالتعريف إلحاق الضرر بالوجود المادي للغير
سواء في الجسد أو الحقوق أو المصالح، مما يهدد حياة الإنسان، كالاعتداء والقتل
والسرقة وغيرها. إن العنف المادي هو عنف جسدي متعدد الأشكال سواء من حيث أنواع
التعذيب والتأليم التي يمارسها أو حيث الأدوات التي يستخدمها. وقد طور التقدم
التقني أدوات عنف وأدوات حربية أكثر حدة وفتكا مما يزيد لا فقط من كمية العنف بل
أيضا من نوعيته وكيفياته وممارساته إضافة إلى أساليب انتشاره، والإخبار عنه.
ثانيا: العنف المعنوي (الرمزي)
يقصد به كل أشكال العنف غير الفيزيائي أي أشكال
العنف القائمة على إلحاق الأذى عبر الكلام أو الصورة أو التربية... حيث يقوم على
تكييف رد فعل المتلقي ليتقبل العنف اللطيف وَيَسْتَمرِأُهُ بل يعتبره أمراً
عادياً. ويعرفه بيير بورديو (عالم اجتماع فرنسي) بالقول: "ذلك الشكل من العنف
الذي يمارس على فاعل اجتماعي ما بموافقته وتواطئه". وهو ما يعني، أن سلوك
الإنسان ناتج عن الأفكار التي تسيطر عليه، لذلك فإن ما يصطلح عليه بالعنف الرمزي
-وفقا لرؤية بورديو- قد يأخذ شكل أفكار من شأنها أن تسيطر على ذهن الشخص وتستغله
وتدفعه إلى المأساة. إن أشكال الهيمنة التي يخضع لها الناس والتي توجه سلوكهم
وأفكارهم وتحدد اختياراتهم كلها تعبير عن عنف رمزي يمارس علينا دون بنادق أو
خناجر، لكنه لا يقلّ عنها جرماً وألماً وعذاباً. والمثال الأوضح للعنف الرمزي
هو الإيديولوجيا والأفكار المتداولة من حيث هي عنف رمزي لطيف وغير محسوس.
ثالثا: العدوانية
تعتبر العدوانية شكلا آخر من أشكال العنف المنتشرة منذ ظهور الإنسان على وجه الأرض. إن أهم ما يميز الفعل العنفي عند الإنسان هو القصد أو النية، وليس فقط ما يترتب عليه من آثار تدميرية، فمن الممكن أن نتحدث عن فعل مدمر يكون مصدره الحيوان أو الطبيعة، ولكنه عنف مجازي لا يحمل أي معنى في ذاته لأنه غير صادر عن نية وإرادة حرة... فالعنف يخص الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يتخذ هذا السلوك شكل تصرف واع غايته إلحاق الأذى بالغير بأساليب مختلفة، وخاصة إذا نظرنا إلى عنف الدولة على أفرادها. إن أسباب العدوان تكمن في الطبيعة الإنسانية التي تسعى إلى البقاء والحفاظ على الحياة. كذلك فإن الإنسان شرّير بطبعه على حد تعبير الفيلسوف الإنجليزي "طوماس هوبز". وبديهي جدا أن فساد الطبيعة البشرية هو المبدأ العام الذي قامت عليه الفلسفة السياسية.
يُرجع هوبز مصدر هذا الشر (استخدام
العنف) إلى ثلاثة أسباب وهي: التنافس على الثروات، والحذر من
الآخرين وعدم الثقة بهم، والاعتداد بالنفس أو الكبرياء. ونظرا لغياب القوانين
والقواعد، فإن كل فرد يسعى إلى التمتع بحقه الطبيعي في الحفاظ على ذاته كما
يشاء. ولا شك أنه سيصطدم بحق الآخرين في التمتع بالحق نفسه؛ وهذا ما يولد حربا
شاملة يسود فيها قانون الغاب، وتكون العلاقة بين الناس علاقة عدوان
دائم. ومن ثمة تصبح حياة الفرد مهددة بخطر الموت باستمرار، وعندئذ يكتشف
الناس أن العدوان أو القتال ليس هو الوسيلة الناجعة للحفاظ على الحياة. إن القتال
طريق غير معقول يقود إلى نقيض الغاية المرجوة منه. ولذا وجب تأسيس دولة قوية (تينين)
لإيقاف العدوان وضمان الحياة واستمرارية المجتمع.
هذا
من وجهة نظر فلسفية. لكن ماذا يقول العلم عن العدوان البشري؟ وما الفرق بين
العدوان عند الحيوان والعدوان عند الإنسان؟
قدم
العالم النمساوي "كونراد لورنتز" (1903-1989) رؤية علمية أخرى عن
العدوانية تقوم على المقارنة بين سلوكي الإنسان والحيوان. يثبت هذا العالِم،
بداية، أن الصراع بين أفراد النوع الحيواني الواحد صراع لا يهدد بقاء النوع.
فعندما تمارس الحيوانات العدوان على أمثالها من نفس نوعها (السمك مثلا)، فإن هذا
العدوان لا ينتهي إلى القتل، بل إلى تطور طبيعي طويل قاد إلى تكوين ردود أفعال
كابحة في الجهاز العصبي المركزي وظيفتها هي الحفاظ على النوع. أما الإنسان، فهو
مهدد بالفناء الشامل بفعل قتل الناس لبعضهم البعض. ومن هنا نستنتج أن العدوان سلوك
غريزي في الإنسان كما هو كذلك في الحيوان.
ومن
وجهة نظر أخرى تروم معالجة أشكال العنف، ينبّهنا "إريك فروم" (1900-1980) إلى
أن استحضار ظواهر اجتماعية وشعائر وممارسات دينية لدى الشعوب القديمة، ليس الغاية
منها هي التدمير بقدر ما تجسد رغبة في تأكيد حياة الجماعة ووحدتها. إن مظاهر
العنف في السلوك الإنساني -تحديدا- ليست ناتجة عن غريزة تدميرية (لورنتز) أو
عن طبع بشري عدواني (هوبز) بل ترتبط بظروف خارجية. هذه الأخيرة حسب
الفيلسوف "فروم" هي عنف موضوعي، ذلك أن بعض هذه الظروف
الاجتماعية قد تعزّز العدوانية كالفقر والتزايد السكاني والهجرات مثلا.
رابعا: الحرب فعل عنيف
إذا
كان العدوان شكلا حاداً من أشكال العنف، فإن الحرب أكثر منه حدةً وأقوى منه فتكاً.
وإذا كان العدوان غريزة مشتركة بين الإنسان والحيوان، فإن الحرب بوصفها عنفا منظما
هي شيء يخص الإنسان وحده دون الحيوان كما يذهب إلى ذلك الجنرال البروسي "فان
كلوزفيتش" (1780-1831) في عمل له بعنوان "في الحرب".
يعتبر
"كلوزفيتش" أن الحرب ما هي إلا امتداد وتوسع لمعركة فردية.
فعندما يتعارك فردان فإن غاية كل منهما هي التغلب على الآخر وتحطيم مقاومته من
خلال القوة المادية. إن الحرب هي مواصلة السياسة بطرق أخرى. لذلك
فالغاية المنطقية والمباشرة لكل عمل عسكري هي حرمان العدو من القدرة على الدفاع عن
نفسه وشلّ قدرته على المقاومة وإرغامه على الاستسلام. باختصار شديد، تبقى الحرب
بالطبع، بما هي فعل عنيف، غايته إرغام العدو على الخضوع والاستسلام.
إذا
كان السلم أحد الشروط الضرورية لأجل دوام سلطة الدولة وأمن مواطنيها، فإن الحرب
لدى البعض أساسا لفهم السياسة ومراجعة العلاقات الدولية. وفي هذا الصدد نستحضر
تصوّر رجل القانون والفيلسوف الألماني كارل سميث (1888-1985) إذ نجده توقف
مليا على تحديد دلالة ومعنى لفظة السياسة في كتابه "معنى السياسة"
الصادر سنة 1932.
يقرر
"سميث" بأن السياسة، قبل كل شيء، هي "القدرة على
استكشاف العدو". لأن السياسة ترتكز على القدرة على التفريق بين الصديق
والعدو، وهو ما يعني، أنه لا يمكن فهم السياسة إلا على أساس الصراع بين
القوميات المختلفة وهو صراع قد يصل إلى مرحلة الحرب. هذه الأخيرة في تعريف
"سميث" هي: "التحدي الأخطر في مجال السياسة لأنها مسألة
حياة أو موت" وهذا بالضبط ما تتناساه الدولة الليبرالية. إذ وجه "سميث"
نقدا لا هوادة فيه لليبرالية التي هي في نظره حرية الإنسان في أن يحيا حياة رديئة،
وهي إيديولوجية المساومة وتمييع المواقف والمحافظة على السلام بأي ثمن.
خاتمة
في
الختام، إن العنف هو استخدام القوة أو التهديد بالقوة لإيذاء الآخرين أو إلحاق
الضرر بهم، سواء بدنياً أو نفسياً. يمكن أن يظهر العنف في أشكال متعددة، بما في
ذلك العنف الجسدي والعنف اللفظي والعنف النفسي، فضلاً عن العنف الاجتماعي
والاقتصادي. كما يمكن أن يكون العنف موجهاً ضد الأفراد أو الجماعات، ويمكن أيضا أن
يكون سبباً للصراعات والحروب والانقسامات المجتمعية. لذا تهدف جهود الفلاسفة على
مر السنين إلى مكافحة العنف والدعوة تعزيز السلام والتسامح وبناء مجتمعات آمنة... ولربح
هذا الرهان لا بد من نشر ثقافة اللاعنف من خلال الإنصات وتقبل الآخر
المختلف عنا.
