الحق بين الوضعي والطبيعي

 الحق بين الوضعي والطبيعي

 

      إن التلازم بين الحق والعدالة يجعلنا نتساءل بداية عن أساس الحق ومنشئه: ما الحق؟ وما أساسه؟ هل هذا الأساس هو طبيعة الإنسان باعتباره كائنا حرا وعاقلا، أم التعاقد بين مكونات المجتمع؟ بعبارة أبسط، هل الحق طبيعي أم وضعي؟

أولا: الحق الطبيعي عند طوماس هوبز

      يرى هوبز أن القوة لا توجد الحق، بل تخلق حالة العدوان على الحقوق. ففي غياب المجتمع والقوانين والأعراف (وهذه حالة الطبيعة) تنشأ الحرب الشاملة والعدوان الدائم. ذلك لأن كل فرد في هذه الحالة له الحق في كل شيء، والحرية في فعل كل شيء، لكي يحافظ على بقائه، إذ ليس هناك قواعد أو معايير أو مؤسسات؛ وبالتالي لا شيء يمكن أن يعتبر عدلا أو ظلما. في حالة الطبيعة يسود حق الطبيعة، وهو بالتعريف "حرية كل إنسان في استخدام قواه الخاصة للحفاظ على طبيعته"، أي حريته في أن يفعل أي شيء يراه مناسبا، أو أن يستعمل أي وسيلة يظنها ناجعة للحفاظ على البقاء. إذ من المشروع لكل فرد في حالة تسود فيها الحرب الشاملة أن يفعل أي شيء يساعده على الاستمرار؛ ومن المشروع له أن يمتلك كل شيء "وأن يفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وأن يستمتع بكل ما يريد، وبقدر ما يستطيع".

      إن حق الطبيعة حق مطلق وفطري؛ غير أن ممارسته تؤدي إلى الصراع والاقتتال والفوضى. وذلك لأنه لا يوجد إنسان يمتلك القوة والقدرة ما يكفي للسيطرة على الآخرين لمدة طويلة مع المحافظة على نفسه في وضع يكون الأفراد فيه متسساوون في القدرات. في ظل حالة الحرب هاته تصبح حياة الفرد مهددة بخطر الموت باستمرار. إن القتال إذن ليس هو الوسيلة المناسبة للحفاظ على الحياة. والسبيل الأسلم لتحقيق هذه الغاية يحدده العقل، وهو: نشدان السلام. إن العقل يملي على كل فرد أن يسعى إلى السلام وأن لا يُقْدم على فعل قد يؤدي إلى تهديد حياته. إذا كان "حق الطبيعة" مرتبطا بالحرية واللاتحديد فإن "القانون الطبيعي" مرتبط بالتحديد والإلزام: فهو عبارة عن "قاعدة عامة يكتشفها العقل، وتبعا لها يمتنع المرء عن فعل من شأنه أن يؤدي إلى تدمير حياته أو ينتزع منه وسائل الحفاظ عليها".  تتصف قوانين الطبيعة بأنها عقلية، أي أنها من إملاء العقل وليست مجرد اتفاق بين الناس، وغايتها هي قيام مجتمع يتحقق فيه السلم والأمن، كما تتصف بأنها قوانين أخلاقية، غير أن الضمير الخلقي لا يكفي للاتزام بها. لذا لابد من سلطة قوية ترغم الأفراد على احترامها.

      إن حالة الطبيعة تجعل الأفراد يدركون أن قيام سلطة قوية (ليفياثان) هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام للحد من أن يتصرف الناس بحرية مطلقة. ولذلك يتنازلون عن جزء من حريتهم وحقوقهم الطبيعية لصالح هذه السلطة، وهذا التنازل يكون جماعيا ومتبادلا، أي متعاقدا عليه.

ثانيا: الحق الوضعي عند جون جاك روسو

      يتبنى روسو بدوره نظرية العقد الاجتماعي لتفسير نشأة الدولة وقيام الحق. إن العقد الاجتماعي هو أساس الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع. يرفض روسو كل أطروحة ترجع الحق إلى القوة (كما هو الشأن لدى هوبز) فالطاغية قد يكون تحت تصرفه جيش قوي، ومع ذلك لا يكون آمنا على سلطته من قيام ثورة ضده إلا عندما يحول قوته وسلطته إلى حق، ويجعل من طاعة الناس له واجبا خلقيا وليس فعلا ناتجا عن الخوف والحذر.

      هناك فرق جوهري بين الحق والقوة، فهذه الأخيرة قوة فيزيائية يترتب عنها، بعد استعمالها، نتائج لا تحمل أي طابع خلقي. لذلك يرى روسو أن اعتبار القوة أساسا للحق ناتج عن الخلط بين مجال الواقع (أي ما هو كائن) ومجال القيمة (أي ما يجب أن يكون)، إن وجود العبودية في الواقع لا يعني أن الاستعباد فعل مشروع وعادل. ولو كانت القوة سندا للحق وركيزة له، لعمِل الجميع ما في وسعهم لامتلاك أسباب القوة ليكون الحق في جانبهم، ولَزَالَ الحق دائما بزوال القوة.

      يرى روسو أن حالة الطبيعة لم تكن بتلك القتامة التي صورها بها هوبز. ذلك أن العدوان ليس طبعا أصيلا في الإنسان، بل هو شيء مكتسب من المجتمع والثقافة. لقد كان الأنسان في حالة الطبيعة كائنا طيبا بسيطا محدود الفهم، وكانت سلوكاته توجهها الميول والشهوات، ولم يكن يفكر إلا في نفسه، وكان يتمتع بحرية طبيعية لا حدود لها غير حدود قوته... غير أن الكوارث الطبيعية فرضت عليه أن يعيش ضمن جماعات لمواجهة الخطر. وقد نتج عن هذا الاجتماع صراعات لا يمكن تلافيها إلا بتأسيس شراكات اجتماعية قائمة على اتفاق يحدد الحقوق والواجبات بواسطة القوانين. وما هذه القوانين إلا تعبير عن الإرادة العامة كقاعدة للعقل يمكن أن يكتشفها كل واحد في نفسه عندما يكبح رغباته الأنانية وينصت لصوت الضمير. ولأن كثيرا من الناس لا ينصتون إلا لصوت الرغبات، فإنه لابد من قيام دولة تمتلك سلطة سياسية نابعة من إرادة الجميع تعمل على ضمان الحرية المدنية ومساواة الجميع أمام القانون. يقول روسو: "ولد الإنسان حرا ومع ذلك فهو مقيد بالأغلبية".

    إن الانتقال من "حالة الطبيعة" إلى "حالة التمدّن" يقتضي خضوع إرادات الأفراد للإرادة العامة التي تعبر عن مصلحة الجميع والخير المشترك، وليس في هذا الخضوع تنازل عن الحرية، بل إن طاعة القوانين، التي هي تعبير عن الإرادة العامة، هي الحرية بعينها. أما الخضوع للأهواء والميول فهو العبودية الحقة.

تدقيقات مفهومية

       الحق «loi»: يفهم في معنيين: بما هو حق طبيعي يستند إلى القوة المادية الذهنية التي يتمتع بها الفرد، فهو إذن حق لازم عن طبيعة الإنسان، وبما هو حق وضعي يستند إلى القانون الوضعي وغايته حفظ حق الجميع. والحق عند "هيغل" فكرة تتحقق في العالم الخارجي في شكل مؤسسات وتنظيمات أخلاقية ومنظمات اجتماعية.

        الحق الوضعي «droit positive»: مجموع القوانين (المكتوبة) التي يضعها المجتمع لتأمين العلاقات بين أفراده. والتي تتغير بتغير الوضع البشري حقوقيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا.. ويعني في كل الحالات الخضوع لسلطة الدولة. 

     الحق الطبيعي «droit naturelle» : مجموع الحقوق (غير المكتوبة) التي جُبل عليها الإنسان والمطابقة لطبيعته من حيث هو إنسان مثل حق الحرية التي يملكها كل إنسان كي يستعمل سلطته الخاصة كما يريد بهدف الحفاظ على طبيعته الخاصة. كل ما يفعل شيئا طبقا لما تمليه عليه طبيعته، فالحق الطبيعي لكل إنسان يتحدّد حسب الرغبة والقدرة أو الجهد (الكوناتوس) الذي يبذله الإنسان وهو يثابر في وجوده حسب الفيلسوف اسبينوزا. 

        القانون الطبيعي: (باللاتينية lex naturalis) حسب هوبز هو مبدأ أو قاعدة عامة اكتشفها العقل وصار بمقتضاها ممنوعا على الناس أن يفعلوا ما يؤدي إلى القضاء على حياتهم أو يسلبهم وسيلة الحفاظ عليها أو يُنسيهم ما به يعرفون أفضل شيء لحماية أنفسهم. ولهذا فطالما استمر هذا الحق الطبيعي، الذي لكل إنسان في أن يتصرف في كل شيء، فلا أحد مهما كان قويا أو حكيما يمكنه أن يؤمّن مواصلة البقاء إلى آخر المدّة التي توفرها الحياة عادة إلى البشر (كتاب، الليفياثان).


تعليقات