لا مشروعية العنف

 

لا مشروعية العنف   

لا للعنف

لا يمكن تصور الدولة الحديثة بمعزل عن العنف، ذلك لأن كل دولة تقوم على العنف، هكذا قال الزعيم "تروتسكي"، فبين الدولة والعنف اليوم علاقة حميمية. وهو ما يعني أن العنف لصيق بالممارسة السياسية، وملازم للسلطة، ومرتبط بالاجتماع البشري. فهل تمنحه واقعيته هذه واستمراره مشروعيته؟ وهل هناك عنف مشروع، وعنف آخر غير مشروع؟ وكيف تنظر الفلسفة إلى العنف؟

إيمانويل كانط: العنف لا يواجه بالعنف

     يرى كانط أنه في ظل حكم جمهوري يكون التمرد على السلطة التشريعية عملا غير مشروع. إذ من شأن العنف الذي تمارسه الرعية بتمردها أن يؤدي إلى نتائج كارثية تبدأ بتهديد أسس الحكم نفسه. وحتى لو قام الحاكم بخرق الدستور (وهو عبارة عن بنود العقد الذي يحدد علاقة الحاكم بالمحكومين) فإنه لا يحق للرعايا أن يواجهوا العنف بعنف يماثله. لماذا؟ لأن الدستور لا يعطي للشعب الحق في كل وقت الطريقة التي يطبق بها هذا الدستور. قد تقول من حق الشعب الاعتراض على الحاكم، لكن هنا المشكلة وهي: مَنْ مِنَ الطرفين (الحاكم – الشعب) على حق؟ لو قرر أحدهما فعندئذ سيكون متهما وقاضيا في نفس الوقت، وهذا لا يصح؛ كما أنه لا توجد سلطة أعلى من سلطة رئيس الدولة لتحلّ هذا النزاع. وقد يقول البعض إن قانون الضرورة يملي على الشعب أن يخرق القانون في هذه الحالة حتى يعيد الأمور إلى نصابها. غير أن رئيس الدولة قد يبرر قسوة العنف الذي يمارسه على الرعية في هذه الحالة بتهمة التمرد. فمن بيده سلطة الحسم إذن؟ إن هذه السلطة بيد من يمثل الإرادة العليا للعدالة، وهو رئيس الدولة؛ وبالتالي فلا أحد في نظام الحكم الجمهوري يملك الحق في الاعتراض.

حنا آرندت: السياسة تحاورا وتداولا

     إذا كان بعض المفكرين الذين عرضنا مواقفهم يرون أن السياسة مرتبطة بالسيطرة والقهر والعنف، فإن الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت (1906-1975) ترى أن هذا الارتباط ليس قدرا محتوما على الإنسانية. فلقد شهدت الإنسانية أوضاعا سلمية عبر التاريخ. وفي ظل هذه الأوضاع برز المعنى الحقيقي للسياسة باعتبارها تداولا وتحاورا. إن العنف، حسب آرندت، يتعارض تعارضا جوهريا مع السياسة، لأنه يُقصيها ويُلغيها. ولأنه مقرون بأفعال غير سياسية في عمقها، مثل التحايل والتطويع الاجتماعي والتخدير الإيديولوجي. ونظرا لتعارض العنف والسلطة السياسية، فإن سيادة أحدهما تؤدي إلى تغييب الآخر. إن العنف لا يظهر إلا عندما تضعف السلطة، وإذا تُرك العنف على حاله ستكون النتيجة لا محالة هي انتفاء السلطة ودمارها.

إريك فايل: العقل واللاعنف

     لقد بينت آرندت وجه التناقض بين العنف والممارسة السياسية النبيلة. فماذا عن علاقة العنف بالفلسفة؟

إن أفضل من يبيّن لنا طبيعة هذه العلاقة هو الفيلسوف الفرنسي إريك فايل. يرى هذا الفيلسوف أن العنف الخالص لا يمكن أن يكون مشروعا أبدا بالنسبة للفلسفة. وذلك لأن الفكر بطبيعته يرفض العنف. في السلوك العنيف يتصرف الإنسان وكأنه وحده في ميدان الفعل، وكأن باقي الناس لا يوجدون إلا لكي يستقبلوا فعله؛ في حين أن التفلسف (فعل ممارسة الفلسفة) هو اختيار للتفكر والحوار، والاعتراف بالآخر محاورا مشاركا. في العنف سخرية وتهميش ولإقصاء؛ أما التفلسف هو موقف واختيار، فهو نبذ للعنف. هذا الأخير إذن نقيض للفلسفة، بل إنه هو سبب وجودها: لأنها وجدت للحد منه أو إلغائه من العالم، وبيان ذلك أنها تدعو إلى الخطاب المتماسك والحوار العقلاني، بل إن الفلسفة قد تلجأ إلى استعمال العنف المشروع لمحاربة العنف غير المشروع، أي أنها تستعمله وسيلة لخلق حالة اللاعنف. والعنف المشروع هو خوض الصراع ضد العنف، دون اللجوء إلى أعمال العنف (العصيان المدني، التظاهر السلمي مثلا). الفلسفة تواجه العنف بواسطة التفكير العقلاني والخطاب المتماسك (قوة الحجة بدل حجة القوة)؛ ومثلما كان اللاعنف نقطة انطلاق الفلسفة، فإنه هو أيضا غايتها النهائية.

خاتمة

    صفوة القول، العنف والسياسة يمكن أن يرتبطا بشكل وثيق في سياقات متعددة. يعكس العنف في السياسة غالبًا نزاعات السلطة والصراعات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يستخدم القوة الجسدية أو القوة الهيكلية لتحقيق أهداف سياسية معينة. ويمكن للعنف أن يظهر بأشكال متعددة (العدوان-العنف المادي-العنف الرمزي...). تقوم السياسة بتشكيل وتوجيه هذه الديناميات، حيث يمكن أن تؤدي السياسات الظالمة أو غير العادلة إلى زيادة العنف وتفاقم التوترات الاجتماعية. وفي هذا الإطار تستطيع الفلسفة أن تنير لنا الطريق، إذ التفلسف فعل خلقي في جوهره؛ ولذلك يعتبر العنف دائما تهديداً لقيم الحوار والاحترام، ونفياً للمعنى، واغتصاباً للكرامة، وغياباً للمسؤولية، ونسفاً للخطاب المتماسك، وانتهاكاً لقيم الاجتماع الإنساني مثل الحق والعدالة والسلام.

تعليقات