العنف في التاريخ

العنف في التاريخ     


 بدأ العنف لدى الإنسان عضليا وانتهى رمزيا وعقليا، بمعنى أنه اتخذ أشكالا متعددة ومتنوعة عبر تاريخ البشرية. وهذه السيرورة تعكس مدى ملازمة العنف للبشر، وصعوبة التخلص منه أو تجاوزه رغم الأشواط التي قطعها الإنسان خلال مسيرته الطويلة، فإن العنف لم يتوقف بل ازدادت حدته وقوته: فكيف نفسر استمرار العنف في التاريخ رغم ظهور الدولة بقوانينها الردعية ومؤسساتها الثقافية والتربوية؟ وأي وظيفة يؤديها عبر التاريخ؟

سيغموند فرويد: العنف يؤدي إلى ميلاد الحق والقانون

      يثبت المحلل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) أن النزعة العدوانية أصيلة في الإنسان، وشواهد التاريخ المليئة بالحروب والنزاعات تثبت ذلك. هذا النزوع إلى العدوان هو ما يجعل العلاقات بين البشر مختلّة ويهدد الحضارة بالدمار والانهيار بالرغم من الجهود التي بذلتها الحضارة أو الثقافة للتخفيف من الدوافع العدوانية الغريزية عبر غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية في النفوس وجعل العلاقات بين الناس تقوم على التعاون والحب. لكن الحضارة لم تستطيع أبدا أن تقتلع هذه النزعة العدوانية اقتلاعا نهائيا من نفوس الناس وهو ما ظهر جليا في الحربين العالميتين.

يلجأ الناس إلى العنف لوضع حد للتناقض الناشئ عن تضارب المصالح، وهم في هذا لا يختلفون عن الحيوان. لقد كانت القوة العضلية في البدء تحدد الغالب والمسيطر. وعندما استُحدثت الأسلحة أصبح الغالب هو من يمتلك الأسلحة الأفضل، أو هو الأمهر في استخدامها. وهكذا أصبح التفوق حليف المتفوق عقليا، لا من نصيب صاحب أقوى عضلات.

غير أن مسار التاريخ سيغيّر المعادلة السابقة (غلبة الأقوى)، وسيؤدي العنف إلى ميلاد الحق والقانون. كيف ذلك؟

لقد كانت الغلبة من قبل لمن يملك القوة الأكبر، عضلية كانت هذه القوة أو عقلية. أما فيما بعد، فقد اكتشف الضعفاء قوة أكبر بكثير من قوة الفرد المسيطر، وصارت هذه القوة نقيضا لعنف الفرد الواحد. لقد أصبح الاتحاد قانونا، وصارت قوة الجماعة حقا. هكذا يولد الحق من حضن العنف، أو بعبارة أخرى، لقد أدى العنف إلى ميلاد الحق والقانون.

فريدريك إنجلز: العنف الاقتصادي

      يقدم لنا الفكر الماركسي، مع فريدريك إنجلز[1]، تصورا آخر عن دور العنف في التاريخ. يؤكد إنجلز أن العنف سابق على وجود الدولة، وهو ينتج عن صراع المصالح المترتب على ملكية الأراضي. إنه إفراز تاريخي نتج عن تعارض المصالح عند ظهور الملكية الخاصة. فالعنف السياسي إذن مرتبط بالتطور الاقتصادي والاجتماعي. فما وجه هذا الارتباط؟
للعنف دور ثوري في التاريخ. إذ العنف هو الأداة التي بها يتم القضاء على الأشكال السياسية الجامدة لصالح قيام أشكال سياسية جديدة تسير في اتجاه تطور القوى المنتجة. إن العنف الثوري ضرورة تاريخية تلجأ إليها الطبقة العاملة (البروليتاريا) لتحقيق الانتقال من النظام الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي؛ فهو إذن يولّد مجتمعاً آخر من دون طبقات، وتاريخاً آخر لا مكان فيه للعنف والقهر والاغتراب.

      حاصل القول، إن العنف في التاريخ يمثّل جانبًا مظلمًا يتجلى في الصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية. يتنوع شكله ويتراوح بين الحروب الكبرى والنزاعات الداخلية إلى العنف الهيكلي المستمر في المجتمعات. يعكس العنف أحيانًا صراع القوى والتوترات بين الفئات والثقافات المختلفة، ويؤثر بشكل كبير على التطور السياسي والاقتصادي والثقافي للمجتمعات. تاريخياً، تعتبر الحروب والثورات والانقلابات مظاهر بارزة للعنف، ولكن يمكن أيضًا تفسير الاضطرابات الاجتماعية والتمردات الشعبية على أنها ردّة فعل على الطغيان والظروف القاسية التي يحياها الشعب. إن فهم تاريخ العنف يساعد في فهم الديناميات الاجتماعية والسياسية التي تشكل العالم الحديث وتؤثر على مستقبله (الرهان).

 
الشبكة المفاهيمية

ü            الدولة «état»: عبارة عن تنظيم سياسي يكفل حماية القانون ويؤمن النظام لجماعة بشرية ما عبر مجموعة من الأجهزة والمؤسسات داخل مجال ترابي معين.

ü              الطبقة «classe»: تعني من منظور علم الاجتماع مجموعة الأفراد الذين لهم نفس المستوى الاجتماعي بمقتضى القانون أو العرف.

ü              البورجوازية «bourgeoisie»: الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج في المجتمع الرأسمالي. ارتبط هذا المعنى في المنظومة الماركسية بمفهوم "الصراع الطبقي".

ü              الاستلاب «aliénation»: اغتراب الإنسان عن ذاته حيث يشعر كأن ذاته أو جزءا من ذاته قد سُلب إما في العمل أو الإنتاج أو غيره. الاستلاب يرادف مفهوم الضياع والاغتراب.

ü              البروليتاريا «prolétariat»: الطبقة العمالية التي لا تملك لكي تعيش غير قوة عملها في المجتمع الصناعي. 

ü              التاريخ «Histoire»: هو الشكل الذي تعاقبت وفقه الأحداث البشرية وهو الذي يسمح لنا بكشف حقيقة النوع البشري ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

ü        العنف «violence»: الإفراط في استعمال القوة تجاه الآخر والعالم، بغرض إخضاعهم لإرادة الذات. ويتخذ أشكالا عدة: العنف الفيزيائي (جسدي) والعنف المعنوي، وآخر رمزي...



[1] لمزيد من التفصيل أنظر وجهة نظر إنجلز عن أصل الدولة ونشأتها في درس الدولة (المحور الثالث).


 



 


تعليقات