نظرية العقد الاجتماعي عند طوماس هوبز

 نظرية العقد الاجتماعي عند طوماس هوبز




   ترتكز نظريات العقد الاجتماعي على الأصل التعاقدي للدولة، أي أن مصدر سلطات الدولة ليس هو الله وإنما العقد الذي يبرم بين الحاكم والمحكومين، والذي بناء على أساسه يقوم الحكام بممارسة سلطاتهم وصلاحيتهم لكن -لا أدري- مع احتفاظ الشعب بحق المعارضة، ومتابعة الحكام في حالة إخلالهم ببنود العقد، رغم اختلاف درجة المعارضة والمتابعة من مفكر لآخر، ورغم اختلاف طريقة إبرام العقد الاجتماعي أيضا... وهذا ما يظهر جليا من خلال كتابات رواد نظرية العقد الاجتماعي: هوبز – لوك – روسو – اسبينوزا...
فما دلالة نظرية العقد الاجتماعي عند كل واحد على حدة؟

    ينطلق الفيلسوف طوماس هوبز في نظريته من فرضية حالة الطبيعة، التي يصورها على أنها كانت تتميز بالفوضى والحرب الدائمة لعدة اعتبارات أهمها ميل ونزوع الإنسان إلى الشر. ومن ثم يقول هوبز بأن هذه المرحلة (مرحلة حالة الطبيعة) كانت تتميز بحرب الجميع ضد الجميع، وبسيادة "قانون الغاب" و"البقاء للأقوى" حيث يكون "الإنسان ذئبا للإنسان" (l’Homme loup l’Homme).
وللخروج من هذه الحالة، ولإنهاء حالة الحرب، وسيادة السلم والأمن وظف هوبز فكرة "الليفياثان"، للرمز إلى الدولة أو السلطة القوية القادرة على إنهاء الحرب والعنف ونشر الأمن والاستقرار. قرر البشر -الذين كانوا يعيشون منعزلين عن بعضهم البعض- الاجتماع لإقرار اتفاق أو عقد (contrat وبمقتضى هذا الأخير سيتم إنشاء دولة أو جمهورية أو جماعة يرتبط أعضاؤها سياسيا فيما بينهم. حيث سيتخلى فيها كل فرد عن حريته ليضعها بين أيدي سلطة مركزية تدعى العاهل (sauverain) أو الهيئة السياسية. حيث تتمتع بكل السلطات من أجل إقرار السلم والأمن. ويتعين على الأفراد الموقعين لهذا العقد الخضوع إلى ملزماته مع استثناء واحد عندما يشكل هذا العقد خطرا على حياتهم.
    إن حالة الطبيعة هي إذن حالة حرب شاملة لامتناهية لا توجد فيها القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية، يسود فيها العنف باستمرار. وهذه الحالة هي التي تم التعبير عنها في الطبعة اللاتينية لمؤلفه "الليفياثان" (1651). وهو ما يعني أنه لا معنى للعدل ما دامت القوانين التي تنتظم في إطارها الحياة الاجتماعية غائبة.

  •      التعرف على الثقاثات والحضارات الجديدة؛
  •     النهضة المتمثلة في الفنون والآدب؛  
  •   الإصلاح الديني (البروتستانتي) مع لوثر وكالفن؛ 
  •     استقلالية العقل: على العقل أن يشتغل بمعزل عن كل المذاهب والتأثيرات الخارجية، وبمعنى أدق، إن العقل مشرّع وقاض في مفاهيم من قبيل الحرية والتسامح، والمساواة...
  •      رفض الأحكام المسبقة التي تدعي امتلاك سلطة ما؛
  •      بلورة منظومة فكرية وسياسية تقوم على مفاهيم الحرية (فولتير- كانط) والتسامح (لوك) والمساواة (روسو
  •     إقرار فكرة التقدم القائمة على أساس فهم تاريخي وأنثروبولوجي لتطور المجتمعات (كوندورسي  

    يشكل مفهوم التعاقد المركز الثقل في ظهور الحداثة السياسية. أشار أحد الدارسين إلى أن هوبز لم يكن فقط منظرا للحق الطبيعي؛ بل يعتبره أيضا أول مفكر سياسي بعد مكيافيلي. لكن قبل اسبينوزا اقترنت أفكاره السياسية برؤية فلسفية للعالم وهي مستمدة من فيزياء العالم غاليلي، ذلك أن مفهوم الرغبة سيأخذ دلالة خاصة في رؤية هوبز السياسية. فحالة الطبيعة هي حالة الرغبة المتناهية وسيكون الحق الممارس في حالة الطبيعة هو "حق القوة" الذي يعني حرية الفرد في أن يفعل ما في استطاعته للحفاظ على بقائه. ومادام لكل واحد الحق في البقاء فلا بد أن يكون له حق استخدام الوسائل الضرورية التي تكفل له تحقيق تلك الغاية.


    بالمقابل، فإن العاهل ليس ملزماً بالعقد لأنه ليس طرفا مشاركا فيه؛ ليس أحد موقعيه، فهو عبارة عن هيئة مصطنعة وليست طبيعية. أي يتجسد (كفرد أو كجماعة) بواسطة هيئة ممثلة بعدة أشخاص. إن العاهل يتميز بالسلطة السياسية المطلقة. ولا يهم إن كانت هذه الشخصية القانونية التي أخذت اسم الحيوان الخرافي (التنين) تتجسد في شخص الملك أو في جمعية منتخَبة، المهم هو تشريع القوانين والسهر على احترامها.  

يعتبر هذا العقد إذن -حسب هوبز- أساس سلطة الدولة، إلا أنه يعاب عليه كونه عقدا من جانب واحد، والحاكم لا يعد طرفا فيه. ومهما بلغت درجة طُغيان الحاكم واستبداده لا يحق للمحكومين أن يعارضوه، ولا أن ينازعوه في سلطته المطلقة ما داموا قد تنازلوا له بمحض إرادتهم، بموجب العقد، عن كل السلط والصلاحيات. وبالتالي لم يبق من حقهم أن يثوروا ضده أو أن يطالبوه بحقوقهم؛ بحيث لا يتمرد أحد من الرعية عليه إلا في حالة المساس بالحق الطبيعي (حالة استثنائية).

    اتضح إلى حد الآن، أن الاستبداد والشمولية باسم القانون أمر تم التوقيع عليه بمحض إرادة الأفراد، لأن الغاية من التعاقد هو إقرار السّلم الاجتماعي للخروج من حالة الطبيعة والدخول إلى حالة الثقافة. ومن ذلك نستنتج دعوة هوبز إلى إقامة دولة قوية مبنية على الطاعة تتمتع بسلطات مطلقة وغير مقيدة وذلك بهدف تحقيق السلام، وسيادة الطمأنينة بدلا من حالة الحرب والفوضى التي كانوا يعيشون فيها من قبلوعليه، لم يهتم هوبز بالبحث عن أفضل نظام سياسي لتحقيق هذه الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة، بقدر ما فكر في إضفاء المشروعية على"استبداد" من نوع جديد بوصفه "استبداد قانوني" كونه الضامن الوحيد للسلم المدني. 

    صحيح أن نظرية التعاقد السياسي أضفت الشرعية على سلطة الحاكم وساهمت في تمييزها عن السلطة الدينية. لكن هذه الشرعية مكّنت الحاكم من توظيف كل السلط وإخضاع الرعية إلى طاعته. فليست الطاعة مجرد فعل يفرض نفسه من الخارج باسم سلطة دينية؛ وإنما هي نوع من الإلزام الناتجة عن التعاقد السياسي. ذلك لأن وجود الدولة أمرٌ يستلزم حضور الرعية لضمان الأمن داخل المجتمع. وكما أكد هوبز أن "السيادة هي روح الدولة... والغاية التي يقصدها (خضوع الرعية للحاكم)، هي الحماية التي تجعل الطاعة أمرا طبيعيا". وهكذا نستنتج أن استبداد القانون هو بمثابة تقييد للأفراد والحد من ميولاتهم العدوانية تجاه بعضهم البعض. فما هو السبب إذن وراء عدوان البشر؟ أو بعبارة أخرى، هل العنف طبيعي أم مكتسب؟

إن فساد الطبيعة البشرية هو المبدأ العام الذي قامت عليه الفلسفة السياسيةوهو ما يعني أن أسباب العدوان تكمن في الطبيعة الإنسانية التي تسعى إلى البقاء والحفاظ على الحياة. ذلك أن الإنسان شرّير بطبعه هكذا أجاب هوبز. وعموما، يُرجع هوبز مصدر هذا الشر إلى ثلاثة أسباب وهي: التنافس على الثروات، والحذر من الآخرين وعدم الثقة بهم، والاعتداد بالنفس أو الكبرياء. ونظرا لغياب القوانين والقواعد، فإن كل فرد يسعى إلى التمتع بحقه الطبيعي في الحفاظ على ذاته كما يشاء. ولا شك أنه سيصطدم بحق الآخرين في التمتع بالحق نفسه؛ وهذا ما يولد حربا شاملة يسود فيها "قانون الغاب"، وتكون العلاقة بين الناس علاقة عدوان دائم. وهكذا تصبح حياة الفرد مهددة بخطر الموت باستمرار، وعندئذ يكتشف الناس أن العدوان أو القتال ليس هو الوسيلة الناجعة للحفاظ على الحياة. إن القتال طريق غير معقول يقود إلى نقيض الغاية المرجوة منه. ولذا وجب تأسيس دولة قوية شبيهة بالتنين لإيقاف العدوان وضمان الحياة واستمرارية المجتمع.

    إن عوامل كثيرة ثقافية وفكرية واجتماعية ساهمت في تشكل العقل السياسي الحديث واكتشاف عالم جديد. لقد اقترن هذا الانبثاق حسب الدارسين بثلاثة أحداث كبرى برزت منذ أواخر القرن 15 الميلادي وبداية القرن 16 الميلادي وهي:

    يقول موريس باربيي عن هذا الحدث الأخير: "الحرية التي حملها الإصلاح في المجال الديني ستؤدي إلى حرية مناسبة في المجال السياسي..." (الحداثة السياسية). وبعد الإصلاح الديني تأتي فترة عصر الأنوار (فولتير، روسو، ديدرو، مونتيسكيو...) حيث ظهر نمط تفكير متحرر فكريا واجتماعيا وسياسيا لمناهضة الحلف المبرم بين الإقطاع (الفيودالية) والكنيسة. وسيستمد هذا الإشعاع إلى إنجلتزا (لوك - هيوم) ثم ألمانيا (كانط - فيخته) ليشكل اتجاها فكريا تبلورت في إطاره المنظومة الفكرية للحداثة التنويرية. 

ويمكن إجماع المبادئ الأساسية للأنوار في ما يلي:

    هكذا ستشكل الحداثة إذن، بمفاهيمها الجديدة وبخلفياتها التنويرية نظرة جديدة إلى العالم، كما سيكون لها تأثير على تصور الإنسان للطبيعة وللتاريخ ولذاته أيضا (ظهور ما يسمى بالعلوم الإنسانية). ذلك أن الأرضية الفكرية والإيديولوجية لهذه المهمة الجديدة ستستند على مرجعيات عقلانية مغايرة للمرجعيات التقليدية اللاهوتية. وبهذا المعنى يمكن فهم فعالية العقل السياسي في الأزمنة الحديثة وإدراك طبيعة ما اصطح على تسميته بالحداثة السياسية.


تعليقات