الحقيقة بوصفها قيمة
تقديم إشكالي:
قدمت لنا الفلسفة الكلاسيكية منذ أفلاطون تصورا عن الحقيقة
يعتبرها مطلقة وسامية وثابتة. إنها قيمة مثلى، وغاية في ذاتها؛ والفلسفة هي
المعرفة التي تسعى إلى البحث عن الحقيقة لذاتها دون ابتغاء منفعة أو مصلحة. إنها
تقتضي من الباحث عنها مجهودا ذهنيا، وتأملا عقليا، خالصا وقدرة على التخلص من
التفكير الحسي والأحكام المسبقة والوثوقية. إن البحث عن الحقيقة فضيلة ينبغي
الالتزام بها. أما بعض الفلسفات المعاصرة، ومنها البراغماتية[1]،
فقد أعادت النظر في هذا التصور الكلاسيكي وانتقدته، معتبرة الحقيقة شيئا نسبيا
ومتغيرا. وهذا الاختلاف يدعونا إلى التساؤل: هل نرغب في الحقيقة لأنها غاية في
ذاتها، أم مجرد وسيلة تمكننا من تحقيق أغراضنا وتلبية حاجياتنا؟ كيف تتحدد الحقيقة
كقيمة؟ هل تتحدد قيمتها بما هو أخلاقي أم
بما هو عملي نفعي؟
إيمانويل كانط: قول الحقيقة واجب أخلاقي مُطلق
إن قول الحقيقة حسب كانط غاية
في ذاته وليس مجرد وسيلة، ذلك لأن الواجب الأخلاقي يأمرنا
على نحو مطلق، وفي أي زمان أو مكان، ومهما كانت النتيجة بأن نقول الحقيقة من أجل
الحقيقة دون ابتغاء مصلحة أو منفعة أو شهرة. إن "الأمر الأخلاقي" يأخذ
دائما صيغة القانون الأخلاقي: "اعمل بحيث يمكنك أن تجعل من قاعدة
إرادتك مبدأ لتشريع كوني" وهو ما يعني أن قول الحقيقة ليس أمراً من أوامر
النصيحة، بل هو واجب خلقي." "لا تكذب أبدا" هذا قانونٌ يأمرنا
على نحو مطلق، ولا يقبل استثناء؛ والإدلاء بتصريحات صادقة شيء يجب أن نقوم به
احتراما للقانون، بغض النظر عن المنافع أو الأضرار. هكذا يرى كانط أن قول
الحقيقة ليس قاعدة مشروطة يمكن الالتزام بها حينا والإخلال بها حينا آخر، بل هو
قاعدة كونية لا تقبل استثناء."
وليام جيمس: الحقيقي هو النافع
في مقابل هذا التصور الكانطي
للقيمة الخلقية للصدق، يقدم الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس تصورا آخر لقيمة
الحقيقة لا يقوم على أساس خُلقي أو ميتافيزيقي، بل يقوم على أساس المنفعة
والمردودية.
إن الحقيقة حسب وليام جيمس
(1842-1910) ليست مطلقة كما تصورت الفلسفات المثالية (أفلاطون وكانط)؛ كما أنها
ليست مجرد انعكاس للواقع أو نسخة له. بل قيمة الحقيقة تقاس بمدى تأثيرها في
الواقع. وعليه، فإن الفكرة الصحيحة أو الصادقة ليست هي تطابق الواقع، بل هي التي
تمكننا من تحقيق فائدة عملية. أو لنقل بصيغة جيمس: الحقيقي هو الفكرة
الناجحة أو التي لها مردود، الحقيقي هو ما ينفع ويفيد. في المجال
السيكولوجي، الحقيقي هو ما يمنحنا إحساس الراحة والطمأنينة. وفي المجال الديني،
الاعتقاد الحقيقي هو الذي يقوّينا، ويكون سنداً لنا لمواجهة تقلُّبات الحياة
وصُروف الدّهر... كذلك فإن الأفكار حسب جيمس هي مجرد أدوات (أي ليست غاية
في ذاتها) نستعملها ونوظفها في التصرف والعمل؛ والفكرة الصادقة تبعاً لذلك هي
الفكرة المفيدة. إن "فكرة الله" مثلا مفيدة بالنسبة لي، إذا استحضرتها
زوجتي ولم تخني، ونافعة أيضا إذا استحضرها خادمي ولم يسرقني... وهكذا دواليك.
إريك فايل: الحقيقة والعنف
تعرض معيار الفائدة هذا للعديد
من الانتقادات، خصوصا من الزاوية الخُلقية. ذلك أن ما هو مفيد للبعض قد لا يكون
كذلك بالنسبة للآخرين. كما أن هذا المعيار إذا ما أُخِذ به في ميادين السياسة
والاقتصاد مثلا، قد يقود إلى ممارسة العنف أو الحرب؛ في حين أن المشكلة التي تنشغل
بها الفلسفة دائما حسب الفيلسوف الفرنسي إريك فايل (1904-1977) هي مواجهة
العنف والحد منه. إن قيمة الحقيقة حسب هذا الفيلسوف تتحدد من خلال مقابلِها،
ومقابلُها أو آخرها ليس هو الخطأ، بل هو العنف.
إن مشكل الحقيقة حسب "فايل"
هو مشكل فلسفي وليس علمي، لا يتمثل في تطابق الفكر مع الواقع، بل في تطابق الإنسان
مع الفكر ومع الخطاب المتماسك. ومعلوم أن الخطاب الفلسفي يسعى دائما إلى فهم
العالم من خلال العقل والعمل والمعقول والمنطق. والحقيقية كما يبرزها هذا الخطاب
تتفادى الإطلاقية والانغلاق التي قد تولد العنف وتدعو إليه باسم الدين أو العرق أو
اللغة... إن الخطاب الفلسفي هو خطاب يقوم على قوة الحجة وليس على حجة القوة. لذلك
فهو ينتج خطابا عقلانيا متماسكا مفتوحا لا يزعم أبدا أنه يقدّم حقيقة نهائية
ومغلقة. فالخطاب الفلسفي بطبيعته خطاب إشكالي ونقدي يعي محدوديته ويسعى إلى معانقة
المشترك الإنساني والبعد الكوني اعتمادا على مبادئ العقل والمنطق بعيدا عن كل
زَعْمٍ يقود إلى العنف.
تركيب المحور
في الختام، يمكن القول إن مسألة
قيمة الحقيقة مسألة إشكالية بامتياز: فهل تتحدد الحقيقة بوصفها قيمة على
أساس خلقي (اعتبار الحقيقة فضيلة وواجبا أخلاقيا)، أم على أساس براغماتي (اعتبار
الحقيقة وسيلة لتحقيق المنافع والمصالح)؟ وبالجملة، لقد شغلت إشكاليات ماهية
الحقيقة ومعيارها وقيمتها الفلاسفة عبر العصور، وستبقى تحرك الفكر الفلسفي مادام
هذا الأخير تفكيرا نزيها يأمل في انتزاعنا من قوقعة اليقينيات والآراء والأحكام
المُغْرِقة في الذاتية، والتحليق بنا في تجاه أفق الموضوعية والكونية. وهكذا يبدو
في القول التالي: "لكل واحد حقيقته" تنسيبا (من النسبية) للحقيقة يؤدي
إلى التسامح وقبول الآخر، لكن هذا القول يخفي تحت هذا الشعار الرغبة في الاستبداد
والتسلط باسم الخصوصية والاختلاف والهوية، ويغلق بذلك الحوار العقلاني والخطاب
المتماسك خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قولة الفيلسوف نيتشه الخالدة:
"الحقيقة أوهام نسينا أنها كذلك".
[1] البراغماتية
pragmatisme: نزعة فلسفية أمريكية أنشأها وطوّها الفيلسوفان الأمريكيان شارل
ساندرس بيرس (1839-1914) ووليام جيمس (1842-1910)، وهي نزعة فلسفية
تعتبر أن حقيقة الفكرة تتمثل في فائدتها. إن الحقيقي هو النافع (utile). وكلمة pragma باليونانية تعني العمل، أو الاستعمال، أو ما له صلة
بالنتائج العلمية.
