منهجية القولة الفلسفية
تعريف: القولة هي جزء مقتطف من نص تحمل توقيع صاحبها.
مثال: "غاية الدولة هي الدولة نفسها"
عزيزتي التلميذة عزيزي التلميذ،
لديك معرفة وهذه المعرفة تحتاج إلى قالب منهجي لإيصالها إلى قارئ -يفترض أنه لا يفقه شيئا في الفلسفة- فأنت مطالب بكتابة إنشائية مفصلة في القولة -أعلاه- وبأسلوب بسيط... من خلال التزامك بأربعة مطالب رئيسية وهي: مرحلة الفهم - مرحلة التحليل - مرحلة المناقشة ثم مرحلة التركيب أخيرا.
فما هي العناصر التي ينبغي توفرها في كل مرحلة على حدة؟
أولا: مرحلة الفهم (04 نقط)
تأطير القولة ضمن مجالها العام (مجزوءة السياسة) واستشكال موضوعها (مفهوم الدولة). إن كل قولة هي جواب عن تساؤل ضمني ينبغي استخراجه وإبرازالمفارقة أو التقابل (( الغاية - الوسيلة، دولة العقل - دولة الحرية...)) الذي يطرحه التفكير في هذا الموضوع، وتبسيطه إلى أسئلة من العام إلى الخاص، تكون موجهة في الغالب إلى التحليل والمناقشة (مثل: ما الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ وما الغاية التي أنشئت لأجلها؟ هل الدول غاية في ذاتها أم مجرد وسيلة؟)
ثانيا: مرحلة التحليل (05 نقط)
عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ،
في مرحلة التحليل، أنت مطالب باستخراج الأطروحة المركزية في القولة التي تقول إن "غاية الدولة هي الدولة نفسها" وتحليلها. كيف؟ ستشرع أولا في شرح مضمونها شرحا مفصلا ، وذلك بتوظيف بنية مفاهيمية وحجاجية غنية وملائمة توسّع هذه الأطروحة (مثل مفهوم: الدولة-التعاقد الاجتماعي-الغاية-المجتمع المدني-الحق-الكونية...)، وفي نفس الوقت تحاول إبراز العلاقة القائمة بين هذه المفاهيم (تعارض-تقابل-تكامل). ومن جهته، إن القول الفلسفي هو قولٌ حجاجيٌ. في هذه الحالة يجب عليك توظيف الأساليب الحجاجية المقنعة التي تعطي للقولة -قد تتوفر القولة على حجج وقد لا تتوفر عليها- قوة منطقية (مثل: المقارنة-المثال-التشبيه-الدحض-الاستشهاد...). إن الدولة أشبه بجسم لا يشكل الأفراد بالنسبة للجسم إلا أعضاءً، ولا قيام للعضو ولا قيمة له في ارتباطه بالجسم (حجاج مفترض: أسلوب التشبيه). بعبارة أبسط لا قيمة للفرد بدون مجتمع منظم.
ففي مثالنا السابق، تتوفر القولة على أسلوب التعريف (حجاج مركزي) بحيث إن صاحب القولة -لا يهم أن تَعرف من هو صاحبها- اعتبر أن "غاية الدولة هي الدولة نفسها" وهو ما يعني أن الدولة أهم من الأفراد. ((وتبدو أن هذه القولة تدحض أطرحات فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز-لوك-روسو-اسبينوزا...)، التي تعتبر أن نشأة الدولة هي نتاج تعاقد الأفراد فيما بينهم وتوحيد الإرادات في إرادة واحدة. وهذا بالنسبة إلى الفيلسوف هيغل -باعتبره عضورا في برلمان بروسيا- لا يستقيم. لأن حصر وظيفة الدولة في ضمان الأمن والسلم والحرية كما ذهب إلى ذلك أصحاب النظرية التعاقدية ناتج عن الخلط بين شيئين رئيسيين هما: الدولة والمجتمع والمدني كما عبر عن ذلك في كتابه "فلسفة الحق".))
استدعاء أطروحة هيغل:
((يرى هيغل بأن الغاية من اجتماع الأفراد في كيان واحد الذي هو الدولة، ضروريا وليس اختياريا (حجاج مفترض: أسلوب المقارنة). لذلك يؤكد بأن الدولة ليست نتاج تعاقد أو توحيد للإرادات في إرادة واحدة؛ بل هي غاية التاريخ التي تتحقق معها الفكرة الخلقية، أي الحرية التي تشكل الروح المطلق. وعليه ليس للفرد وجود حقيقي وخلقي إلا إذا كان "عضوا داخل الدولة" (حجاج مفترض: أسلوب الاستشهاد). وهكذا فالروح المطلق يصل أخيرا إلى تحقيق الحرية فعليا وموضوعيا مع مجيء الدولة الحديثة.))
وفي لحظة انتهائك من تحليل القولة، ومن الموقف الفلسفي المدعم لها، وقبل الانتقال إلى مرحلة المناقشة، قم بطرح سؤال -وحبذا لو كتبت المقالة من بدايتها إلى نهايتها بطريقة تساؤلية- (مثل: أليست الدولة مجرد وسيلة اخترعها البشر لضمان حرياتهم؟)
مرحلة المناقشة (05 نقط)
عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ،
كل ما يجب عليك أن تفعله في هذه المرحلة هو خلق نقاش فلسفي حول الإشكال المطروح. وذلك بالتأكيد على قيمة الأطروحة التي اشتغلت عليها في مرحلة التحليل مع تبيان حدودها (وحدود الموقف السابق) مع إمكان فتح أفق التفكير في الموضوع من وجهات نظر مغايرة. كيف؟
أ- قيمة الأطروحة؛
إذا عدنا إلى تاريخ الفلسفة فسنجد أول فيلسوف استشهد في سبيل البحث عن النظام داخل المدينة هو الفيلسوف اليوناني "سقراط" الذي أراد من "الملك الفيلسوف" أن يكون على رأس المدينة ويتولى تدبير شؤونها بنوع من الحكمة والفضيلة سعيا إلى تحقيق الخير العام أو الخير الأسمى الذي وجد من أجله الإنسان. ومن ثم بناء دولة قوامها العقل والمُثل الخلقية الأسمى. إنها رؤية مثالية للدولة، وهي نفسها الدولة التي تصورها الفيلسوف هيغل في العصر الحديث عندما اعتبرها تجسيدا لأفكار العقل. إذن إن الدولة في حاجة إلى عقل حر ومفكر والدولة التي تعتمد نظام العقل والأفكار هي دولة ناجحة ورائدة.
صحيح أن الدولة التي تخلو من رجاحة العقل هي دولة مآلها الفشل، لذلك نحن بدورنا كأفراد ينبغي الانخراط في هذه الدولة بشكل فعال حتى لا تتعرض للتلف والاضمحلال لأنها جزء لا يتجزأ من حياتنا خصوصا إذا سهرنا على مراعاة القانون كمبدأ فوق الجميع كما هو حال أثينا قديما، إذ سلك سقراط وفقا للقواعد والقوانين التي كانت آنذاك في اليونان ورفض أن لا يطبق عليه القانون، بالرغم من محاولة الإنقاذ التي قدمت له من طرف تلاميذته. وهذا هو المعنى الحقيقي لغاية الدولة هي الدولة نفسها التي تسمو بكثير عن الخصوصيات الشخصية والضيقة للأفراد بالرغم من التهم الواهية التي وجهت إلى الفيلسوف سقراط.
ب- حدود الأطروحة؛
من أجل العيش في عالم أرحب يتسع للجميع ويأخذ آرائهم على محمل جد، أنشأ الأفراد الدولة لتحقيق غاياتهم كضمان الأمن والسلم والحرية... فغاية الدولة إذن مرتبطة بمؤسسات الدولة باعتبرها مؤسسة المؤسسات. وهكذا، فإن من يتولى تدبير الشيء العمومي لا يعني أنه يفكر دائما بطريقة سليمة أو بواسطة أفكار صالحة قد تجعل المواطن آمن على نفسه. ولعل مبدأ "فساد الطبيعة البشرية" الذي قامت عليه الفلسفة السياسية برمتها هو ذريعة الحاكم في استخدام القوة والعنف لتكريس سلطة الدولة على الأفراد والحد من ميولاتهم العدوانية. وأمام هذا فمن المستحيل إذن، أن يكفل شخص الحاكم الحق للأفراد في الحرية والتعبير كحق طبيعي لوجود الأفراد داخل المجتمع. كما أنه غير قادر على صون "الخيرات المدنية" دون إفراط أو تفريط في حال غياب عقد اجتماعي متفق عليه.
وهكذا تبين لك محدودية القول والموقف السابق (عندما تعجز عن تبيانه يمكنك الاستعانة بأداة الاستدراك "لكن" أو "بالمقابل") وبعدها يمكنك طرح إمكانات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال من وجهة نظر أخرى (تعتبر نقيضا للأطروحة المركزية والموقف المدعم لها ) وذلك باستدعاء موقف فلسفي واحد (المناقشة الجيدة ليست بكثرة المواقف بل بنوعيتها) يعالج نفس الإشكال من منطلقات ومرجعيات أخرى (مثل "غاية الدولة هي الحرية" عند اسبينوزا). وتختم هذه المرحلة باستنتاج جزئي يستحسن أن يكون على شكل "تعليقٍ" أو "نقدٍ" حول أطروحة أوفكرة أومفهوم.
مرحلة التركيب (05 نقط)
وأخيرا، عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ،تقوم في هذه المرحلة بدءا ب:
تذكير بالموضوع (مشروعية الدولة وغايتها) وتبيان رهانه الأساسي ((إن الرهان وراء التفكير في مفهوم الدولة هو الديمقراطية التمثيلية وخلخلة بنيتها مما يضمن للأفراد الحق في المشاركة السياسية. ولربح هذا الرهان ينبغي نشر ثقافة التفكير النقدي حول مسألة إحقاق الحق، وتطبيق العدالة والحكم بالإنصاف...))؛
تلخيص "النتائج" المتوصل إليها في مرحلتي التحليل والمناقشة من خلال "مقارنة" بسيطة بين موقفيين فلسفيين تعتبر جوابا مركزا على الإشكال المطروح. ((لقد تباينت وتضاربت الآراء حول إشكالية غاية الدولة: فمنهم من يرى أن غاية الدولة هي الدولة نفسها (هيغل) ومنهم من يرى بخلاف ذلك، أن غاية الدولة لا تكمن في تخويف الأفراد وترهيبهم؛ وإنما غايتها تكمن في ضمان حرياتهم التي لا تشكل خطرا لا على الدولة ولا على الدين أو ما شبه (اسبينوزا). باختصار شديد، في هذه المرحلة، مرحلة التلخيص، تقوم بالجمع بين موقفين أو الانحياز إلى أحدهما.
إبداء رأيك الشخصي مدعما بحجج (من الواقع من تاريخ الفلسفة من العلم...) أو طرح أفق للتفكير وتوسيع الإشكال عن طريق سؤال مفتوح على مجالات أخرى مثلا: الدين، العلم، الفن، الأخلاق...الخ؛
ملحوظة (1): لا بد من مراعاة الجوانب الشكلية من سلامة اللغة ووضوح الخط وتماسك العرض؛
ملحوظة (2): ما يوجد بين قوسين هو مجرد شرح مركّز للعناصر المنهجية المضغوطة في المقال.
والله ولي التوفيق.
