الدولة بين الحق والعنف
تعرفنا في المحور السابق على وجهتي نظر مختلفتين عن طبيعة السلطة السياسية: الأولى قديمة تقول أنه لا يجب أن نبحث عن جوهر السلطة في الواقع بل ينبغي أن نعرفه عن طريق التأمل في الكيفية التي يجب أن تمارس بها. وهذا تصور يعود بجذوره إلى أفلاطون وأرسطو. أما الثانية فهي حديثة، ترى أن الدولة جهاز سياسي يمارس سلطة على أفراد مجتمع معين في نطاق ترابي محدد. والسلطة التي يمارسها هذا الجهاز لا تقوم على مبادئ الأخلاق، بل على القوة والعنف. والسؤال الذي يواجهنا هذه المرة هو، على أيّ أساس يجب أن تمارس الدولة سلطتها ووظيفتها؟ على الحق والقانون، أم على العنف والقوة؟
- فريدريك إنجلز (1820-1895): الصراع الطبقي
يقدم فريدريك إنجلز جوابا ماركسيا عن هذا السؤال. فالدولة في المنظور الماركسي جهاز يولد من حضن المجتمع، ويعكس الصراعات الموجودة فيه. ليست سلطة الدولة محايدة ولا هي مفروضة على المجتمع من خارجه، وليست تجسيدا لفكرة مثالية للعقل أو الروح المطلق كما ادعى هيغل لأنها لم تكن موجود من قبل حتى نقول عنها إنها كيان ملازم للوجود البشري. إن الدولة حسب إنجلز نتاج للمجتمع في فترة معينة من تطوره. فهي تولد من رحم الصراع بين طبقات المجتمع التي تتعارض مصالحها الاقتصادية. والداعي إلى نشأتها هو التخفيف من حدة الصراع الطبقي. وبهذا فالدولة من هذا المنظور تكون جهازا في يد الطبقة الأقوى لاستمرار سلطتها وهيمنتها. فالدولة الحديثة مثلا هي أداة في يد البورجوازية لاستغلال البروليتاريا لصالح الرأسمال. وبالرغم من ذلك عندما سيقيم المجتمع تنظيم الإنتاج الاقتصادي على أساس المشاركة الحرة والمتساوية بين المنتجين، فإنه لن يعود أي مبرر لوجود الدولة. إن قيام مجتمع من دون طبقات سيجعل زوال الدولة أمرا محتوما.
- ماكس فيبر (1864-1920): العنف المشروع
يقدم عالم الاجتماع ماكس فيبر تصورا عن الدولة يشبه التصور الماركسي، بل إنه يستدعي هذا التصور خصوصا لما يستشهد برجل سياسة ومفكر ماركسي هو تروتسكي. إن الدولة اليوم من وجهة نظر عالم الاجتماع هي تجمع سياسي يحتكر العنف. لقد كان العنف المادي هو الوسيلة التي وظفتها كل التجمعات السياسية (القبيلة، العشيرة...) لممارسة السلطة. غير أن ما يميز الدولة الحديثة هو كونها تجمعا بشريا في نطاق ترابي محدد يقوم باحتكار المادي المشروع. بحيث لا يحق لأي فرد أو جماعة استخدام العنف إلا بموافقة الدولة. فهذه الأخيرة هي الجهاز الوحيد الذي يمتلك "الحق" في ممارسة العنف كوسيلة للسيطرة والهيمنة. وكون العنف الذي تمارسه الدولة مشروعا يعني أنه مقبول ومعترف به، وهذا يعيدنا إلى سؤال المشروعية[1].
- جاكلين روس (1934-1999): دولة الحق
في مقابل هذه الرؤية تقدم الباحثة الفرنسية جاكلين روس تصورا عن الدولة بعيدا عن كل أشكال القمع والهيمنة والسيطرة، بل على قوة الحق والقانون. إن دولة الحق حسب روس هي التي يسود فيها القانون، والقانون فيها يخضع لمبدأ احترام الفرد بوصفه شخصا يمتلك كرامة. ولضمان كرامة الأفراد وحماية حرياتهم ضد كل أنواع العنف والتخويف والقوة من خلال تنظيماتها ومؤسساتها، والآلية العملية التي تشكل الضمانة الأساسية لحماية الأفراد من كل شطط في استعمال السلطة هي العمل بمبدأ فصل السلط. "إن سلطة دولة الحق تتخذ ملامح ثلاثة: القانون والحق وفصل السُّلط" حسب روس.
- عبد الله العروي (1933-....)
إن دولة الحق في الغرب هي ملهمة مفكرينا المغربي المهموم بقضايا الحداثة عبد الله العروي. تساءل العروي عن واقع الدولة في البلدان العربية: هل هي نتاج لقيام مجتمع سياسي؟ هل هي حصيلة تعاقد بين مكونات المجتمع حول قواعد سياسية؟
يجيب العروي بالنفي. وذلك لأن دولة الحق في نظره تفتقد إلى شرطين أساسيين وهما: المشروعية والإجماع. فالجانب التنظيمي والإداري الذي تمارس من خلاله الدولة سلطتها (الجهاز القمعي) وحده لا يضمن الاستقرار، ولذلك تحتاج الدولة إلى أدلوجة (من إيديولوجيا) تكون محط إجماع أو ولاء من أغلبية مواطنيها. إن الفكر السياسي الذي ورثناه عن ماضينا هو إرث الدولة السلطانية التي مارست القهر والاستغلال. لقد فرضت هذه الدولة نفسها بالقوة، وكانت مرفوضة ذهنيا، وكان الولاء للعشائر والطوائف أو الأمة وليس للدولة، وكان الجميع ينتظر عودة الخلافة باعتبارها هي الدولة المثلى. الدولة العربية اليوم تفتقر إلى الشرعية والإجماع، لأنها لا تملك أدلوجة أو مشروعا متكاملا ينخرط فيه الجميع ويقبلونه. في غياب هذه الأدلوجة تستأسد الدولة وتمارس العنف والقهر لإجبار المواطنين على الطاعة، وذلك يولد اليأس والإحباط، وبالتالي الإقرار بدوام القهر والاستغلال. إن دولة هذه حالُها مُعرّضة دوما للاستبداد والتسلط.
على سبيل الختم
إن فساد الطبيعة البشرية يقضي بأن الإنسان سيعمل كل شيء من أجل البقاء إذ الغلبة دائما للأقوى. وجاءت الدولة لهذا الغرض كي تحد من جنون عظمة الفرد وميله نحو الظلم وتكفل بالتالي الحق للجميع وتؤمن النظام لجماعة معينة عبر مجموعة من الأجهزة داخل نطاق ترابي محدد. إن الدولة باعتبارها مؤسسة المؤسسات هي دولة الحق والقانون، لذلك تظل الديمقراطية رهانا ينبغي العمل على تحقيقه فعليا عبر تجسيد وتحقيق دولة الحق والقانون الدولة التي يمكن فيها للمواطن أن يكون مشاركا وفاعلا ومسؤولا ومحترما. ولربح هذا الرهان يقتضي الأمر عملا جادا ينخرط فيه الجميع. والمعركة الأولى التي يتعين الانخراط فيها هي تشريح بنيات التسلط والعنف في سلوكات الأفراد والعمل على تغييرها من خلال الفكر النقدي، ونشر ثقافة الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
[1] يرى فيبر أن مجال السياسة هو إدارة الشأن العام، أو هو قيادة تجمع سياسي هو الدولة التي تبني سلطتها على احتكار العنف المشروع. وقد بحث أنواع المشروعية التي تخوّل للدولة الحق في ممارسة العنف، وقسمها إلى ثلاث مبادئ للطاعة وهي:
سلطة الأمس الأزلي: سلطة قديمة داخل المجتمع ترتكز مشروعيتها على التقاليد والعادات؛
السلطة الكاريزمية: تقوم مشروعيتها على كاريزما الشخص، وقد تتجسد في شخص النبي أو الزعيم؛
السلطة الشرعية: تستمد مشروعيتها من احترام القانون والامتثال للواجبات التي يحددها النظام القائم؛
(ملحوظة: هذه أطروحة فيبر حول مشروعية الدولة وغاياتها)
