هايدغر فيلسوف بيداغوجي
ليس وحده فكر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889-1976) شاذّ في تناول القضايا الفلسفية من قبيل: التقنية، الحقيقة، العلم...الخ؛ عندما أضفى عليها الصبغة الوجودية وصرح بعبارة "العلم لا يفكر" فما فعله هو تحديد مدلول فعل التفكير، والواضح من فلسفته أنه عمل على مقابلة النصوص من حقب مختلفة ليبرز ما الذي نعنيه بـ"التصور" (conception) وأنه ليس هناك تصورا واحدا وأوحد بقدر ما هناك تصورات عدة للعالم.
والحال، أن الفيلسوف الألماني همه الوحيد هو أن يقوم بمداولة (conférence) أو اجتماع للدرس لصياغة تصور جديد للعالم، من أجل مفهمة (conceptualiser) موضوعات هذا العالم الحديث وتوضيح تجلياته. وهو يقوم بهذه العملية، لا يستبعد الطبيعة "التحليلية" لنتائج العلم من خلال هذا الإجماع أو هذه المداولة والتي صيغت في منطوق سنة 1938 باسم: عصر تصورات العالم.
إن "عصر تصورات العالم" هذا، هو باختصار عصر"الأزمنة الحديثة" (Temps Modernes) عصر البارادايم (paradigme) بامتياز. لأن العلم هو السمة الغالبة على هذا العصر (فضلًا عن التقنية الميكانيكية، و دخول الفن ضمن أفق الاستيتيقا، ثم التأويل الثقافي...الخ). بالنسبة لهايدغر، يشكل العلم العنصر الأساس الذي قامت عليه الأزمنة الحديثة؛ تجليّ من تجليات "الأزمنة الحديثة". فما الذي جعل هايدغر يعتبر العلم السمة المميزة للأزمنة الحديثة؟ وعلاوة على ذلك، لماذا التركيز في نص هايدغر على العلم كظاهرة أولى لهذا العصر؟ إذا كان الأمر كذلك، فما خصائص هذا العلم حسب هايدغر؟ وما دلاته؟ وهذا ما سنجيب عنه في هذه الورقة وفي نفس الوقت نبين طريقة هايدغر البيداغوجية في بناء تصوره للعالم.
لقد كان هم الفلسفة عبر تاريخها هو استقصاء الحقائق. والآن لنشرع في هذا الأمر من خلال وساطة هايدغر التي تقوم على قطع خفي بين العلوم القديمة وعلوم عصره. فنحن من وجهة نظره "نحدد السؤال لأول وهلة من خلال الظاهرة الموجودة في العلم". أو قل بالحريّ: "انتهت الفلسفة و بدأ التفكير". وهي الدعوى التي دشنت عنده الانطلاقة الأولى للبحث عن حقيقة ماهية الأشياء الموجودة من خلال تأويل محدد لهذا الشيء الموجود بطريقة جديدة مما ينتج عنها مفاهيم جديدة وإشكالات جديدة ومن ثمة تصور جديد. وبغاية الوصول إلى يقينية هذا الشيء والبحث عن أساسه؛ أي "مبدأ تشكله الأساس".إن هذا المبدأ يَقْلِبُ، رأسا على عقب، جميع الظواهر التي تميز هذا العصر، ويتحكم فيها. وبالتالي عبر هذه الظواهر، وبواسطة تأمل خالص لها هي التي ستسمح لنا بإدراك هذا المبدأ إدراكًا شاملًا من خلال استقصاءات موجِّهة لما نبحثه. وهذا من شأن الميتافيزيقا التي تعلمنا التفكير بالعقل في آخر المطاف.
إن لفظة الميتافيزيقا، لا تؤخذ هنا، في هذا السياق، بالمعنى المتداول كمبحث في الفلسفة؛ بل هي تاريخ الإنسان من أفلاطون إلى نيتشه، تشمل الإنسان وكل ما أنتجه (العلم نفسه ميتافيزيقا). إنها طريقة في التفكير دأب عليها الإنسان منذ أن وجد. ومعلوم أن هناك فرق بين الوجود والموجود، ذلك أن الإنسان يطرح سؤال الوجود (هل هناك حياة بعد الموت؟) وينزلق، من دون قصد أو إرادة ووعي، إلى التفكير في الموجود في كليته، فينصرف إلى البحث في الموجود الأسمى الذي يعود إليه كل شيء (العلة الأولى). وبهذا تكون الميتافيزيقا بالمعنى الهايدغري أنطو-ثيو-لوجيا ومجاوزتها تعني التفكير على نحو آخر والعودة إلى ما تم نسيانيه وأصبح مفكر فيه.
أما لفظة عصر فهي بدورها لا تعني حقبة تاريخية كما نتصور، بل هي الكيفية التي يجيء ويتجلى من خلالها الوجود ليتوارى وينسحب. لذلك نجد الإنسان مدفوعا للتفكير فيما تجلى وظهر من الموجودات أمامه. والخلاصة أن هناك عصر خاص بمفهوم الإنسان وآخر بالموجود وثالث بالحقيقة. ويقابل هذا في الأزمنة الحديثة: الإنسان ذات - الموجود موضوع - الحقيقة تمثل.
توصلنا إلى حد الآن، إلى أن الخاصية المميزة للأزمنة الحديثة هي العلم. ونضيف على أن هايدغر يعترف بادئ ذي بدء، بالوجود القبلي (a priori) لكل عصر، بعينه؛ مبدأ عام يبين مظاهر الحياة الاجتماعية الإنسانية بدون إعادة تفكير في هذا العصر، لأن هذه مهمة المؤرخ. وهذا الأخير ملزم بالبحث عن "أسباب القطع" بين الحقب والعصور من خلال انكبابه على محادثات مكثفة أثناء قيامه بهذه العملية لأن الأمر مرهون بمتغيرات زمنية. خلال كل فترة تتضاعف عند المؤرخين خيوط هذا النسيج بين العصور ومن ثم فليس بديهيا على الإطلاق أن يقسم قوة عصر ما إلى مبدأ تفسيري واحد كان محددا بواسطة الميتافيزيقا.
وبالمحصلة، هناك فرق في ماهية العلم بين الأزمنة الحديثة والعصر الوسيط ومن قبله العصر القديم. لكن، إلى ماذا يوحي هذا الفرق؟
نسجل أن هايدغر لا ينشغل بالتفرقة بين المذهب « doctrina » و العلم « scientia » فقط هو يدعو إلى المقارنة بين علم الحداثيين وعلم اليونانيين إن جاز هذا التعبير؛ يوجد فرق ظاهراتيٌّ في العبارة القائلة بأن "العلم اليوناني لا يمكن عده علمًا دقيقا" هذا الفرق يشير إلى هوّة أكثر عمقا في الطبيعة الأنطولوجية: العلوم الحديثة والعلوم القديمة (الإغريقية) لا يمكنهما تأويل ما هو كائن بنفس الطريقة. ذلك لأن الإغريق القدماء لا يمكن أن تكون نظرتهم دقيقة مثلما تكون عليه نظرة الحداثيين. إذن المشكل متوقف على ماهية هذا العلم بالأساس أي البيئة الذي نشأ فيها هذا العلم . أو لنقل خاصية العلم هو علم باحثا (اكتمال الشروط النظرية).
كذلك، لا يمكن أن نقول عن مذهب "غاليليو غاليلي" في السقوط الحر للأجسام أنه مذهب خاطئ، ونعتبر في المقابل التصور الأرسطي القائل: "إن الجسم يشتاق إلى مكانه الطبيعي" تصور صحيح. كما أنه ليس بوسع أحد أن يثبت شعر "شكسبير" يمثل تقدما بالنسبة لشعر "إيخيل" (Eskhyle). أمام هذا الطرح نجد هايدغر ينبهنا إلى أن نتحرّر من العادة التي درجنا بها تمييز العلم الحديث عن العلم القديم، من خلال فارق في الدرجة فقط، ومن وجهة نظر التقدم، إذ بهذا وحده يتسنى لنا أن نفهم ماهيته. والمقصود بـالماهية هنا هي السؤال أو الاستقصاء الذي يقود عملية البحث (ما؟).
يتساءل هايدغر: " إن ماهية ما ندعوه اليوم بالعلم هي البحث. ففيم تكمن ماهية البحث إذن؟" يجيب في نفس الموضع، أن ماهية البحث تكمن في كون المعرفة قد استقرت بذاتها، من حيث هي استقصاء لأحد ميادين الموجود قد يكون هو الطبيعة أو التاريخ. والاستقصاء هنا، ليس مجرد خطة ومنهاج؛ إذ أنه يفترض بالضرورة وجود مجال منفتح قبليًا، لا تصير حركة البحث ممكنة إلا بداخله. وعليه فالسيرورة الأساسية للبحث تكمن بالضبط في وجود فسحة تكون بمثابة حقل للتقصي والتمحيص؛ إنها تتم من خلال بسط "خطة" محددة للظواهر الطبيعية داخل منطقة للموجود كالطبيعة مثلا. والخطة هنا عبارة عن تصميم يعين مسبقا كل الشواخص التي تقود المعرفة الباحثة بداخل الحقل الذي تم انفتاحه.
تظهر براعة هايدغر البيداغوجية. عندما يبدأ بتعريف المفاهيم كمفهوم "الخطة" على سبيل المثال وكأنه يريد أن يقول لنا: إن صياغة التصور لا تخلو من تخطيط مسبق لما سيكون عليه. فلا بد من وضع خطّة تتيح نوعا من الدقة، والملاءمة، والوضوح، والتنوع، والضبط...إلخ، كاستراتيجيات لتحديد موضوع المعرفة. وفيما يلي يوضح لنا أهمية هذا التخطيط أو التحديد المسبق من خلال مثال الفيزياء الحديثة. ونورد هنا هذا الاقتباس المطول للتدليل على ما قلناه منذ البداية، كتب يقول:
"(...) تتصف الفيزياء الحديثة بكونها رياضية، لأنها، بمعنى رفيع، تطبق رياضيات جد محددة، وما كان لها أن تتصرف كذلك، أي رياضيا، إلا لأن هذه الخاصية شيء كامن فيها قبليا. فكلمة "ماتيماتا" الإغريقية، تدل بالنسبة لليونان على ما يعرفه الإنسان مسبقا عندما يهتم بالموجود ويدخل في علاقة مع الأشياء: (الأجسام وما ويجعل منها أجسامًا- النبات وما ويجعل منها نباتًا...). والأرقام بدورها تشكل جزءًا مما هو معروف قبليًا، أي مما هو رياضي. فعندما نرى أن هناك ثلاث تفاحات فوق المائدة، ندرك أن هناك ثلاثا، ذلك أن العدد ثلاثة (الثلاثية) شيء معلوم قبليا. [...] فإذا كانت [الفيزياء] الآن تسميتها قد اكتسبت صبغة رياضية، فإن ذلك يعني أنها قد طرحت شيئا ما أمامها، وحاصرته بكيفية صادمة كشيء معروف قبليا. هذا التحديد المسبق للموضوع هو ما يشكل تصميمًا، ومشروعا لما سيمثِّل، انطلاقا من الآن، الطبيعة بحق."
نحن الآن أمام التحديدات (وهي على التنوع) التي يعطيها هايدغر لماهية العلم التي يجسدها البحث جملة وتفصيلًا. صار العلم بحثا من خلال التصميم الذي يؤمن نفسه في صرامة الاستقصاء. إلا أن التصميم و النجاعة "لا يسعيان نحو ما يكونانه إلا بواسطة المنهاج". فهذا الأخير في نظره يشكل الخاصية الثانية المكونة لماهية البحث.
أما من جهة الموضوعية، فلكي يصل المجال المصمم له إلى موضوعية ما، عليه –والقول لهايدغر- أن يحمل على المواجهة في كل تعقيداته ومستوياته المتعددة، لذلك يلزم الاستقصاء أن يراقب بحرية تامة متغيرات الموضوع الذي يلتقي به، لأن خصوبة الجزئيات والأحداث لا تتجلى إلا في أفق التجديد المستمر للتغير.
يبدو البحث المتكامل الأطراف (تخطيطًا وتدبيرًا) بحثا علميا عندما يستوفي شروط الموضوعية (قابل للتحقق مخبريا) نصبح آنذاك أمام قانون أو قاعدة تؤطر العلاقة بين الذات والموضوع. فعبارة نيوتن "أنا لا أتوهم الفرضيات" صريحة تؤكد شيئا واحدا وهو الانطلاق من التجربة/الواقع، إذ لا فروض إلا وهي مستقات من أرض الواقع؛ فكل فرض ينطلق من الواقع. أما بالفرضية (hypothèse) تأتي لرفع هذا التناقض الموجود بين العقل والواقع، لأنها بحسب هايدغر تكون [الفرضية] في الحقيقة قد وضعت انطلاقا من التصميم المخصص للطبيعة وارتسمت فيه (وهذا التصميم أو التخطيط شيء عقلي خالص من حيث المبدأ). إن التجربة وحدها هي التي تمنح هذه الفرضيات قانون علمي. وعلى هذا الأساس فالتجربة هي النهج المحمول والموجه، في تصميمه وتطبيقه، بالقانون الافتراضي لإنتاج الأحداث التي تثبت صلاحية هذا القانون أو تلغيه. فكلما كان مشروع تصميم الطبيعة دقيقا، كلما صارت إمكانية التجربة سديدة ومضبوطة. إن التجربة لن نجد فيها شيئا عدا ما وضعناه قبليا (a priori) كما يقول الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط".
ليس السكولائي الوسيطي "روجر باكون" الذي استُشهِد به في هذا الميدان ( البحث التجربي الحديث) سوى خلفًا لـ"أرسطو" كما تصوره هايدغر، لأن امتلاك الحقيقة أصبح، مع مرور الزمن، يكمن في الإيمان خِصيصا. أي في الإيمان المطلق بالكتابة المقدسة وسنة الكنيسة. والحال، أنه ينبغي على العلم أن يخرج من تحت الوصاية، أي: من تحت سلطة الكنيسة بالضبط. وإلا سنصبح أمام ما يسمى ب: "العلم تحت الطلب". والمعرفة من هذا النوع حسب هايدغر"لا تتعلق بالبحث بل بالفهم الجيد للكلام المشكل للقوانين والسلط التي تلقنه"، لهذا يستبعده "هايدغر" من مجال البحث " لم يكن يفهم من هذه الكلمة: تجربة العلم من حيث هو بحث. بل فرض-بدل مناقشة مختلف المذاهب- ملاحظة الأشياء ذاتها، وهو ما يشكل امتدادا للا(إمبريا) الأرسطوطاليسية".
تعرض هايدغر لمشكلة "التخصص" التي بدورها تعيق التقدم والبحث طالما أصبح هذا التخصص تحت المظلة الإلهية -خصوصا- لهذا نجده يقول: "كل علم يتأسس، من حيث هو بحث، على تصميم معين لمجال محدد يكون بالضرورة علما جزئيا. وكل علم جزئي يجد نفسه ملزما بالتخصص، من خلال انتشار التصميم عبر المنهاج في حقول مسيحية للاختبار". وحتى يصير التخصص من الوجهة أداة تدعم العلم وتقود نتائجه (لا يمكن أن يكون التخصص نتيجة للعلم كبحث، بل سببا في تقدمه) إلى أحسن حال كما أنه لا يمكن أن نرده، من وجهة نظر هايدغر إلى مجرد "ظاهرة عارضة ومحتومة راجعة إلى النقد المتواصل لنتائج البحث العلمي، إنه ليس شرًا لا بد منه، بل ضرورة جوهرية للعلم كبحث". ونحن نتتبع سيرورات العلم الحديث، سنقف عند واحدة من هذه السيرورات والتي اعتبرها هايدغر أساسية في البحث وهو يتقدم، ويتعلق الأمر، بـ:"حركة الاستغلال المنظم" فما المقصود بهذه العبارة؟
يجب أن لا نأخذ بداية أن مصطلح الاستغلال المنظم مصطلح قدحيٌ . بل كظاهرة (phénomène) توحي بأن "العلم لا يصل في أيامنا هذه إلى سلطة العلم بحق، إلا إذا كان قادرا على الانتظام في مؤسسات[...] تعتبر المؤسسات ضرورية لأن العلم كبحث يتسم في ذاته بخاصية حركة الاستغلال المنظم هذه". وهكذا فإن توالي السيرورات داخل مجال معين تثمر نتائج وبيانات تساعد على إقرار رافد من روافد البحث تفرض نفسها على المؤسسات، بطريقة أو بأخرى لأن الأمر متوقف على نتائج هذا العلم أو ذاك. وعن ضرورة انتظام العلم من تلقاء نفسه، وانطلاقا من نتائجه الخاصة، من حيث هي طرق ووسائل استقصاء ما فتىء يتقدم. بالنسبة إلى هايدغر يشكل كل هذا "ماهية خاصية البحث كاستغلال منظم"، وهذه الخاصية بدورها هي ما يشكل العلة الداخلية التي تجعل خاصيته المؤسساتية "ضرورية".
ومن جهة ذيوع وانتشار هذا العلم، عندما يتم قبوله بشروطه التي يفرضها على المؤسسة، يصبح، آنذاك، علما ذو أفق وبالتالي الدخول إلى العصر. إن الأمر يتعلق بإرادة المؤسسات، فهي السند الوحيد لبقاء هذا العلم وبقائها كذلك، لأنه يعبر عن تطلعاتها أو لنقل إن العلم هو المرشد والدليل الذي تستند إليه هذه المؤسسات، لأن عماده في ذلك الخطة القبلية. ولا يخفي علينا أن عدم نجاج بعض المؤسسات عندنا هو افتقادها للخطة هو في نفس الوقت افتقادها للنظر على وجه التحديد لذلك فإن "مواصلة البحث" تفرض نفسها الآن وبقوة.
يجب على صاحب الخطة حسب هايدغر أن يكون من طينة مغايرة تماما (لا يحتاج إلى مكتبة بجانبه على سبيل المثال)، لأن انتشار العلم يفرض ذلك. وهنا يردد هايدغر بأن الإنسان العالِم يختفي ليحل محله الإنسان الباحث المنصهر في برامج بحثه. وهذه الأخيرة هي التي تعطي لعمله نكهة خاصة، وتسِمه بالصرامة. ضف على ذلك، أن الباحث سيكون مدفوعا من تلقاء ذاته وبالضرورة كما يقول هايدغر إلى "محيط العمل التقني" ليتحول إلى "خبير فني" بكل ما في الكلمة من معنى. وبهذا فقط يظل فعّالاً، أي بلغة العصر: حيويا وواقعيا.
إن التخطيط الناجح، إجمالا، لا يخرج عن نسق (système) العلوم فهذا يكمن في التركيب بين النهج والموقف الذي يجب اتخاذه بصدد موضعة الموجود، وهو الشيء الذي ينتج في كل مرة عن عملية تصميم الموجود المستهدف. يقول هايدغر: "كلما أمكن للعلوم المنظمة والمتحررة من كل وهم، أن تتمركز داخل مؤسسات ومدارس متخصصة للبحث، ودخلت بالضرورة مرحلة اكتمال حداثتها الجوهرية. وكلما دخلوا بأنفسهم مباشرة وبكل وضوح في خدمة الصالح العام".
خاتمة
من خلال ما تقدم، نستخلص أن ما يميز الأزمنة الحديثة عن سابقتها من العصور الغابرة في كون أن العلم شغل تفكير الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر وانهمامه به. وكيف أن الميزة الأساسية في العصر الحديث كون أن مايشكل ماهيته هي البحث من خلال استقصاءات تحث على النظر فيما هو موجود قصد تحديد حقيقته على النحو الأكمل وبالتالي صياغة تصور العالم. وهكذا اتضح في الأخير، أن الوعي بأهمية البحث هي ما تمنح للعلم الحديث مكانته وتضمن له التقدم والسير بخطى ثابتة إلى الأمام بنوع من الدقة والموضوعية والصرامة في تناول القضايا الوجودية. لكن السؤال الذي يظل قائما هنا هو: هل اتضحت المفاهيم حقا على نحو يسمح لنا ببناء تصور عن العالم؟
