نظرية الاستدلال عند أبي نصر الفارابي

نظرية الاستدلال عند أبي نصر الفارابي




يعتبر المنطق "آلة العلوم"، وموضوعه أفعال العقل وأهمها الاستدلال. وبالعودة إلى اليونان، لقد دعا أرسطو (Aristote) جميع الاستدلالات ب"سولوجيسموس" أي الاستدلالات الجامعة لجمع النتيجة بين المعنيين الذي لم نكن نعلم إن كان يتوافقان أم يختلفان. وترجم اللفظ اليوناني إلى العربية بلفظ قياس (Syllogisme) ،وأطلقه كذلك على مختلف الاستدلالات (Raisonnements). وهذه الاستدلالات عند أرسطو ثلاثة وهي:

- برهان صادر عن مبادئ كلية يقينية.

- جدلي مركب من مقدمات ظنية.

- سوفسطائي مؤلف من مقدمات كاذبة تحتوي على النتيجة احتواء ظاهريا لا حقيقيا. ولأجل هذا، ألف أرسطو ثلاثة كتب لدحض ادعاءات السوفسطائيين (البرهان، الجدل، الأغاليط)[1].

ماهو الاستدلال ؟ وما دلالته؟ وما علاقة الحد بالبرهان؟

   الاستدلال raisonnement)) لغة: طلب الدليل، واصطلاحا: عند الفلاسفة قول معبر عن لزوم شيء من شيء.

البرهان(Démonstration) هو المعرفة اليقينية وكل ماسبق هذه الصنعة من الصنائع مجرد توطئات لهذا الصنعة. والبرهان هو الرئيس عند "أبي نصر الفارابي" وباقي الصنائع ضرورية ومهمة للبرهان وفي خدمته، على أنها كالآلات للبرهان.

البرهان هو غاية الفلاسفة إنه هو العلم. وما الاستدلال إلا تلك البراهين التي يقدمها الفيلسوف على صحة استدلالاته. والاستدلال نوعان: مباشر وغير مباشر.

أما القياس (syllogisme) في توصيف الفارابي هو"القول الذي شأنه أن يصحح رأيا ما"[2] والقياس بالجملة، هو استدلال عقلي يتم فيه الانتقال من مقدمتين إلى نتيجة وفق الضرورة المنطقية (القواعد المنطقية). وهو على قسمين: علمي وغير علمي؛ فالأول هو البرهان، والثاني هو الجدل والسفسطة والخطابة والشعر. ومن شروط القياس أنه كلي وصادق يمكن أن يبرر عقليا وواقعيا.

دلالات نظرية الاستدلال عند الفارابي

    البرهان الحق هو الذي يمكّن من المعرفة بالعلة الضرورية، فإنه يلزم أن تكون مقدماته يقينية وضرورية ينطلق من مقدمات تكون فيها العلاقة بين الأطراف ضرورية. وبما أن العلة والمعلول موجودة ضمن هذه الثلاثة لزم ضرورة أن تكون العلاقة بينهما ضرورية وبذلك يعبر المحمول عن الموضوع في المقدمتين، كل ما هو كروي، فإن ضوؤه ينمو قليلا قليلا- القمر كروي الشكل. كيف أدركنا في المقدمتين أن الكروية هي العلة القريبة للظاهرة؟ أو كيف علمنا بأن عرض ورق الكرم هو سبب انتثاره في فصل الشتاء؟وكيف أدركنا بأن توسط الأرض هو علة ملازمة لظاهرة الكسوف؟ وأسباب الأشياء ربما حصلت عن الحس، وربما حصلت عن الدلائل، وربما حصلت عن البراهين. العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول متضمنة في مبادئ البرهان الحق.

    إن النظر إلى العلم من زاوية البرهان كان تركيبيا، يتأسس على هذه المبادئ العلمية، إلا أن هذا لا يلغي قول "الفارابي" بتطابق الحد التام، والبرهان المطلق. وإذا تأملنا الحد التام جيدا وجدنا أن العلاقة بين أجزائه، أي بين ما يشكل مبدأ برهان، وما يشكل نتيجة برهان، علاقة مختلفة عن الأولى، وما اختلف وضع الحدود فيه عن وضعها في البرهان دليل على صدق  القضية، وليس هذا الاختلاف في وضع الحدود وترتيبها مجرد صدفة أو اختلاف شكلي، بل يعكس اختلافا أعمق بين الحد التام والبرهان المطلق: اختلاف بين طريقتين في اكتساب المعرفة الحقة، التصور التام والتصديق، اختلاف بين طريقتين في الحكم.

علاقة الحد بالبرهان

    استنتاج "الفارابي" من فحص علاقة الحد بالبرهان أن أكمل الحدود هو برهان متغير في الوضع، لقد توصل إليها عبر بناء نظرية الحد، حيث حدد مسالك وضع الحدود وشروطها وملامح عناصره وطبيعتها وعددها وشكل ترتيبها فيه. ليخلص إلى أن أجزاء الحد التامة التي يدل عليها بقول، فالمتساويات للمحدود قد يمكن أن يؤخذ ككل واحد منهما على انفراده حد للمحدود، فالمتأخر من هذين الجزئين يسمى الحد الذي هو نتيجة برهان. والأقدم منها يسمى الحد الذي هو مبدأ برهان ومجموعهما يسمى الحد الذي هو برهان متغير في الوضع، وهذا هو أكمل الحدود. من هذا المنطلق، اعتبر "الفارابي"، بأن هذه الخلاصة هي التعبير عن صدق القضيتين معا، وبهذه تبين أن الحد التام هو البرهان على الإطلاق، كما تبين أنهما مختلفان ما دام الحد التام يؤسس البرهان، بحيث تصبح العلاقة بين الحد والبرهان، على الشكل الآتي:

·إن الحد مبدأ برهان.

·الحد نتيجة برهان.

·الحد برهان متغير في الوضع.

     إذا كان الحد هو الموضوع في القضايا الثلاث، فإن معناه في كل قضية  مختلف من قضية إلى أخرى، وإذا لم ينتبه إلى هذا الاختلاق صعب فهم صدق كل قضية على حدة. فالحد في القضية الأولى، والثانية مأخوذ بمعنى أحد جزئي الحد التام، وفي القضية الثالثة أخذ بمعنى الحد التام منظورا إليه في وحدته أكمل الحدود.

     إذا كان الحد التام مكون من جزئين، جزء دال على مادته وجزء دال على صورته، فالجزء الدال على المادة هو بمنزلة الجنس فيه، والجزء الدال على صورته هو بمنزلة الفصل فيه. فإذا كان الحد يلتئم من الجنس والفصل، فإن جنس الحد التام هو الحد كنتيجة برهان، وفصله هو الحد كمبدأ برهان، فهو منظورا إليه هنا من زاوية انفصال مكوناته فقط.

إشكال نقل البرهان

     لذلك يقول "ابن رشد" بأن "أبي نصر" في كتابه في البرهان عند آخر ما تكلم في اشتراك الصنائع، فقد بين كيف تشترك العلوم، وبماذا تشترك، ومن هنا تبين أين ومتى وكيف يمكن أن تنقل البراهين من صناعة إلى صناعة، وأين لا يمكن قول غير صحيح. إن فهما من النقل ما يقال عليه اسم النقل، وهو أن تنقل المقدمة الكبرى، وذلك أن الظاهر من كلام: أبي نصر" أنه يسلم أن يكون المطلوب واحدا في الصناعتين ولا يسلم أن يكون الحد الأوسط واحدا، وذلك المطلوب واحدا في الصناعتين، ولا يسلم أن يكون الحد الأوسط واحدا، وذلك عجب من قوله.

    بخصوص إشكالية نقل البرهان، هل يناقش "ابن رشد" تصور "الفارابي" في ضوء تصوره الذي بناه في معرض شرحه لكتاب البرهان أم يناقشه في ضوء تصوره؟ وهل معنى النقل عند "أبي الوليد" هو المعنى الذي قصده الفارابي"؟ إذا كان هو ذاته كان نقدا مشروعا، أما إذا لم يكن هو نفسه لم يكن ما قصده "الفارابي"، وبذلك يكون فيه نظر، لأنه مبني على فهم الخاص للنقل. لذلك النص السالف الذكر يقدم معنيين للنقل الأول: هو الذي يقال عليه اسم النقل بتقديم، والبين من كلام "ابن رشد" أن "الفارابي" إن كان قصده هذا المعنى فنقله غير صحيح، وحتى لو افترضنا أن هذا النقل بالمعنى الأول ممكن، فإن "الفارابي" يخل فيه بواحد من شروط النقل. أما إذا كان النقل غير صحيح على مذهب "الفارابي" لم يبق سوى المعنى الثاني، وهو الذي يقال عليه النقل بتأخير، وهو الذي قصده "الفارابي"، فلم يبقى أن يكون النقل الذي عناه إلا أن تستعمل إحدى الصناعتين ما تبين في الأخرى.

     فعندما نحد الرعد مثلا، بأنه صوت في غيم لتموج ريح فيه، فإن الرعد صوت في غيم أحد جزئي الحد التام، والتموج ريح فيه، هو الجزء الثاني لهذا الحد التام: فالجزء الأول نتيجة برهان والجزء الثاني مبدأ برهان. وكذلك نفس الأمر بالنسبة لحد الحائط مثلا، بأنه أحدثه البناء ليحمل السقف، وحد النفس بأنها استكمال الجسم طبيعي ألي يصدر عنه إدراك والأفعال التي تتبع الإدراك.

        إن الحديث عن مبدأ البرهان، يستلزم منا مبدئيا الارتباط بجملة من الأسباب من قبيل[3]:

- إذا كان الحد مقدمة برهان، استحال برهنته.

- إذا كانت مبادئ العلم، لا يمكن برهنة ما هو أولي فيه.

    والبرهان المطلق ينطلق من حد الماهية الأصلية الغير القابلة للبرهنة، لأن البرهنة اللامتناهية توقع في دور، لذلك يلزم أن يكون أقدم حدود الشيء عرف لا ببرهان، وأقدمه على الإطلاق الحد الصوري الذي يوضع حدا وسطا في البرهان المطلق

خاتمة

خلاصة القول، تبين من خلال ماسبق ذكره البحث عن ماهية المنطق، ومضرة جهلنا بالمنطق، ومنفعة علمنا به، وغايته التي تهدف في الأخير إلى تصحيح ما لدينا من لبس . والغرض منه، الذي هو الوقوف على اليقين بحق. وإجمالا، إن صناعة المنطق كما أرادها "أبي نصر الفارابي"(في كتابه العظيم إحصاء العلوم) من شأنها أن تقوّم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات. أما القوانين فهي تلك الأدوات التي يمتحن بها في المعقولات ما ليس يؤمن أن يكون قد غلط فيها غالط.

 



[1] - مراد وهبة، المعجم الفلسفي (باب الألف)، ص ص، 50-51.

[2] - انظر، الفارابي، إحصاء العلوم، ص، 60.

[3]   محمد قشيقش،  نظرية العلم عند أبي نصر الفارابي، ص، 124.

تعليقات