الحرية في بعدها السياسي والميتافيزيقي
إن مفهوم الحرية هو المفهوم الذي صلب
عليه الفلاسفة منذ فجر الإنسانية، وهو المفهوم الذي يختلف من مجال لآخر بين التصور
الداخلي للحرية والتصور الخارجي لها بين المجال السياسي والمجال الميتافيزيقي. فما دلالة مفهوم الحرية في بعده السياسي والميتافيزيقي على حد سواء؟
كيف تتحدد الحرية في المجالين النظري (الميتافيزيقي) والعملي (السياسي)؟ والحرية بالمعنى الميتافيزيقي هي الأكثر إشكال في نظر سبونفيل عندما ترتبط بمفهوم الإرادة، أي الحرية المطلقة. في هذا النص[1] يؤكد سبونفيل على أنه بدل الحديث عن مفهوم الحرية (بإطلاق) يمكن أن نتحدث عن التحرّر. "إننا لا نولد أحرارا بل نصير كذلك" في مقابل الحرية إذن هناك التحرر (عملية تأتي متدرجة) يتعلق الأمر بأن نتعلم كيف نتحرر، ولعل هذه الحرية ليست إلا إسما ثانيا للحكمة، كما نلفي ذلك عند اسبينوزا.
الحرية في بعدها السياسي
تعني "حرية التصرف" طبقا
للقوانين، والقوانين لا تتعارض والحرية
المدنية عكس الحرية في حالة الطبيعة[2]. التي هي حسب
"هوبس" حرية مطلقة وفي غياب تام للحواجز، أي كل واحد يفعل ما يشاء حسب
قوته وقدرته. أما "روسو" فانتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة
التمدن هو الحرية، لذلك نجد روسو يصف حالة الطبيعة بالدرجة صفر، الإنسان عنده
يتميز بخاصية الاكتمال وتعني القابلية للتطور. الحرية في هذه الحالة إذن غريزية
محضة لكن في حالة التعاقد هي حضور البعد الأخلاقي، وعلى النظام السياسي أن يضمن لك
الحق الطبيعي (الحياة أوالحرية). إن الحرية في المجال السياسي ترتبط بالقانون
المكتوب الذي يختلف من نظام لآخر ومن دولة إلى أخرى، لذلك تغدو حياة الطبيعة
حيوانية غريزية بينما حالة التعاقد هي حالة العقل بامتياز.
أما كلمة قانون ((loi)) نفهم منها
عند الاستعمال ما
يلي:
1) الدلالة السياسية (حقوقية):
القانون هو قواعد إلزامية تنظم الحياة المجتمعية تتجلى في الدستور، تختلف من دولة
ومن نظام سياسي لآخر (تختلف بسبب الإنسان لأنه هو من يسن هذه القواعد)، إذن فهو
قانون أو "حق وضعي" (مجموع القوانين المكتوبة). عكس "الحق
الطبيعي" فهو حق لم يكتبه ولم يشرّعه أحد، يعود إلى الطبيعة الإنسانية وإلى
الإنسان من حيث هو كذلك وبالتالي فهو "كوني"، بخلاف الحق الوضعي فهو
"نسبي". ما الفائدة من افتراض حق طبيعي؟ والجواب عن هذا السؤال في عبارة
قليلة العدد: إنه يساعدنا في تطوير الحق
الوضعي وتجويده، (حين ننتقد تكون المرجعية بالأساس هي الحق الطبيعي).
2) الدلالة العلمية:
القانون هو علاقة ثابتة بين ظاهرتين أو أكثر (درجة الحرارة وحالات الماء).
3) الدلالة الأخلاقية: القانون هو قاعدة معيارية (ما ينبغي أن يكون)؛ الفعل الأخلاقي هو فعل بمقتضى الواجب والواجب هو القانون الذي يشرعه العقل.
الحرية في بعدها الميتافيزيقي
ترتبط الحرية في هذا المستوى
بالإرادة ((volonté))، وتصبح الحرية هي الفعل وفق ما تمليه إرادة
الذات، بمعنى آخر، الحرية فعل نابع من إرادتي لا تتدخل فيه أية عوامل خارجية.
والحق أن كل موجود بما في ذلك الإنسان
يوجد ووجوده يتحدد حتميا بتلك القواعد وعلى هذا النحو يتحتم على الأسماك أن تسبح
في الماء وأن يأكل الكبير منها الصغير كما يتحتم على الإنسان أن يأكل وينام
ويتوالد ويفكر... تسمى هذه القواعد عند اسبينوزا بالحق الطبيعي وهو بالتعريف:
مجموع القواعد التي تحكم وجود أي موجود على نحو حتميعلى هذا النحو يتعين على
الأسماك أن تسبح في الماء، وأن يأكل الكبير منها الصغير.
الحق الطبيعي (droit naturelle)
يورد سبونفيل نقد الفيلسوف الهولندي
باروخ اسبينوزا لمفهوم الحرية الذي ساد في تاريخ الفلسفة، وهو المفهوم الذي
أثار إشكالا سمي بـ"حرية اختيار" ((libre
arbitre)) فهو مفهوم -فلسفي بامتياز- يعبر عن الدلالة الفلسفية
والميتافيزيقية والسياسية كما سادت في تاريخ الفلسفة. ويرجع ظهور مع هذا المفهوم إلى القديس أوغسطين
(ق. 4) في إطار مقاربته للشر الموجود في العالم. بالنسبة إلى "أوغسطين"،
الله ككمال وقدرة يستحيل أن ننسب إليه الشر لأن الشر يعود إلى الإنسان. فالله هو الذي
وَهَبَ الإنسان هذه الحرية (حرية الاختيار) فبمقدوره أن يختار فعل الشر أو الخير.
إذا كانت الحرية في معناها الفلسفي
(وهي الأكثر إشكالية حسب سبونفيل) ترتبط بمفهوم الإرادة: فهل توجد إرادة خالصة، أم
ثمة عوامل اجتماعية، نفسية، إيديولوجية واجتماعية... تقف وراء الإرادة؟ إضافة
اسبينوزا جاءت توجه النظر نحو الحركة التي يقوم بها الإنسان داخل الوجود أو ما
يططلح عليه بالكوناتوس (conatus) أي ذلك الجهد الناتج عن كل موجود وهو يثابر
في وجوده.
الموقف الفلسفي من مفهوم الحرية
شعارنا، "ينبغي أن نكف عن تصور
مفهوم الحرية كمعطى جاهز يمتلكه الإنسان". يقول اسبينوزا في مستهل الباب
الثالث من كتاب "الإيتيقا"[3] ما يلي:
"إن معظم الذين كتبوا عن الانفعالات وعن سلوك الإنسان في
الحياة يبدو كأنهم يعالجون أمورا خارج عن الطبيعة، لا أمورا تسير وفقا لقوانين
الطبيعة العامة. بل يبدو أنهم كمن يتصوروا الإنسان في الطبيعة كما لو أنه دولة
داخل دولة".
إذا تمعنا القول جيدا في هذا النص
فإننا نجده يتضمن مفهومين أساسيين: الانفعال والطبيعة.
يعني الانفعال ((affect)) في
معناه التداولي: الأهواء والشهوات والمشاعر...إلخ، بالنسبة إلى اسبينوزا، كل هذا
الذي ذكرناه، بالإضافة إلى حركة المثابرة في الوجود والذي شعارها يقول: "ما
من موجود إلا وهو حركة المثابرة في الوجود". عند الإنسان هذه
"الانفعالات" يجتمع فيها الجسم والنفس لذلك فهي رغبة وإرادة (عكس
ديكارت). أما الطبيعة ((nature)) في دلالتها العلمية تعني العالم المادي الذي تحكمه
قوانين. وفلسفيا، تأخذ الطبيعة دلالة
أنطولوجية فهي جوهر وحيد، الله وحده هو الجوهر؛ النتيجة (nature=Dieu). وواحد خاصيته الوجود، لا متناهي بالضرورة. أما باقي الموجودات فهي
محمولات أو أعراض للجوهر. لكن السؤال الذي قد يعترض كل باحث في فلسفة اسبينوزا هو
الآتي:
إذا كان الله خلق قوانين الطبيعة فهل
يحق له أن يخرقها؟ الجوب بطبيعة الحال بالسلب، لأن الله والطبيعة شيء واحد: الله
هو الطبيعة والطبيعة هي الله كما يقول أبو الحلول (باروخ اسبينوزا) [4].
جاء إقحام اسبينوزا في هذا المنوال،
أن كل موجود بما في ذلك الإنسان يوجد، ووجوده يتحدد حتميا بتلك القواعد (يتحتم على
السمكة أن تسبح في الماء لا أن تتصلق شجرة) وتسمى هذه عنده بالحق الطبيعي. إن الإنسان
محكوم بهذه القواعد، لذلك حينما تتولد عنه رغبة فهو يدرك هذه القواعد، ويتولد لديه
الاعتقاد بأنها منه، والحال ثمة هناك سلسلة من الأسباب وراء ذلك الفعل
أو تلك الرغبة يجهلها هذا الإنسان.
الملاحظ أن الإنسان مع اسبينوزا أصبح
مجرد محمول أو عَرَض في الطبيعة/الجوهر أي خاضع للقواعد والإكراهات والإشراطات .
وقوله : "يبدو كأنهم
يتصوروا..."، هي دعوة صريحة إلى مساءلة النظرة التي سادت في السابق عن
الانفعالات، ونظرتهم إليها. اعتبر اسبينوزا هذه النظرة التي ظلت سائدة تحمل طابع
تصوري تبخيسي عندما يتم ربطها بالجسم، فهو يدعو إلى الحد منها وتأديبها. ومؤاخذته تأتي
في هذا الاتجاه هو تصور الإنسان على أنه مملكة مستقلة عن مملكة أخرى هي
الطبيعة. وبالفعل، الإنسان يحظر باعتباره
الموجود الذي يتميز عن سائر الكائنات بملكة العقل. لهذا نجد أنفسنا مع اسبينوزا أمام
هذا التحديد: ماهية الإنسان الرغبة، والرغبة ((désire)) هي شهوة مصحوبة بوعي وهو ما يعني، أن جميع الموجودات
تحكمها تلك الحركة أو ذلك النزوع إلى المثابرة في الوجود شريطة أن تكون "حركة
مصحوبة بوعي" أي أنه يدركها، ويعرف كل رغبة أو انفعال أو هوى أو سلوك...[5] هذا الإنسان مرده الطبيعة
في السياق الاسبينوزي لأنه جزء لايتجزأ مهنا أولا ومن قواعدها المعبر عنها
بالحتمية ((déterminisme)) ثانيا.
وبالعودة إلى مفهوم الحرية، فالناس
حسب اسبينوزا "يخالون أنفسهم أحرارا" كونهم يجهلون بالأسباب و/أو العلل
الخارجية. لكن إذا كانت حرية الاختيار مجرد وهم واعتقاد حسب اسبينوزا، فهل يعني
ذلك أنه يقول بالحتمية؟ ( الإنسان بين الضرورة والحرية ). فهل يعني هذا ضرب لمفهوم
الإرادة؟
إرادتي رحبة لا تحدها قيود تتمثل في القدرة على النفي والإثبات على الإتيان بالفعل أو الامتناع عنه من دون أية إشراطات خارجية، بهذا المعنى صور ديكارت مفهوم الإرادة. أما في النسق الكانطي فإن الإرادة تعد نوع من العلية ((causalité)) أو مقولة من مقولات العقل الخالص تتصف بها الكائنات الحية من حيث هي كائنات عاقلة، والحرية ستكون هي الخاصية التي تتميز بها هذه العلية فتجعلها قادرة على الفعل وهي مستقلة على العلل الأجنبية التي تحددها: مثلما أن الضرورة الطبيعية هي الخاصية التي تتميز بها العلية لدى جميع الكائنات غير العاقلة بتأثير العلل الأجنبية عنها.[6]
[1] أندري كونت سبونفيل، في الحرية، ترجمة
حسن أوزال، (منشورات مؤمنون بلا حدود، ماي 2016)
[2] مفهوم يرتبط بفلاسفة العقد
الاجتماعي، والمقصود به هو حالة افتراضية تصوّر الكيفية التي كان عليها الإنسان في
التعاقدات الاجتماعية والسياسية. وقد هذا
الافتراض إلى تضارب الآراء بين المفكرين (لوك، هوبس، روسو) في تصورهم لحالة
الطبيعة، أو لنقل تحديد النظام السياسي الأمثل والمناسب للإنسان. حالة الطبيعة وهي حالة مفترضة؛ حرب "الجميع ضد الجميع"، حياة كلها خوف دائم، وشقاء مستمر، ستدفع الإنسان إلى تنظيم حياته طمعاً في حياة أفضل. والإنسان في هذه الحالة شرير بطبعه لذا فالتعاقد ضرورة للخروج
من حالة الطبيعة والدخول إلى حالة الثقافة والبحث عن مكانة الحرية بين الحالتين؛ حالة الطبيعة وحالة التعاقد.
[3] كتاب
"الإيتيقا" من أهم ما كتب اسبينوزا في تاريخ الأفكار الفلسفية بمنهج
هندسي (أوقليدي) قائم على التعريفات (difénitions) والمصادرات (axioms).
والجدير بالإشارة هنا، هو أن الكتاب لا يخص الأخلاق وحدها كما هو واضح من العنوان،
بل هو عمل شمل مباحث الفلسفة من جميع
جوانبها فإلى جانب الأخلاق هناك أيضا نظرية أنطولوجية وأخرى في المعرفة نجدها حاضرة في هذا الكتاب.
[4] منعم السحمدي، فكرة الله عند اسبينوزا، رسالة بحث لنيل شهادة الإجازة في الفلسفة العامة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز –
فاس موسم 2017.
[5] من
وجهة نظر الإبستيمولوجيا، يقسم اسبينوزا المعرفة إلى ثلاثة درجات:
أولا، معرفة من خلال الحواس (سمعت، رأيت،
تذوقت)، تقترن بالخطأ ويشوبها دائما: حذف، شقاء، وتخيل...ثانيا، معرفة من
خلال العقل تقود إلى العلم والقوانين كشكل أرقى من المعرفة بواسطة الحدس. وأخيرا،
معرفة بالقواعد التي تحكم وجودنا (الإنسان فكر وامتداد في ذات الوقت، لا توجد
غايات للأفعال ، إن خلاصنا يكمن في معرفة حقة بالله...).
[6] كانط، » تأسيس
ميتافيزيقا الأخلاق « .
