مجزوءة: المعرفة مفهوم: الحقيقة
المحور الثاني: معايير الحقيقة
إشكالية المحور:
معيار المطابقة أو التوافق
يرتبط معيار الحكم الصحيح أو المعرفة الحقّة بتعريف
الحقيقة ذاتها، ومن أشهر التعريفات التي قُدّمت للحقيقة ثمة تعريفٌ يعود إلى
الفلسفة الإسلامية يقول: "الحقيقة هي مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان".
ومعلوم أن ما في الأذهان هو الأفكار والأحكام، أما ما في الأعيان،
فهو الأشياء والوقائع. ويسمى هذا التعريف بمعيار المطابقة أو
التوافق، وصيغته الشهيرة هي: "الحقيقة هي تطابق الفكر والشيء، أو
تطابق العقل والواقع". حسب هذا المعيار فإن القضية: "السماء تمطر"
مثلا تكون صحيحة إذا كانت السماء تمطر فعليا في الواقع.
روني ديكارت: معيار البداهة والوضوح
إن الشك يوصلنا في نهاية المطاف إلى حقيقة يقينية لا
يمكننها أن نشك فيها على الإطلاق. ومعلوم أن أول قضية يقينية تفرض نفسها على الذهن
بعد الشك هي: "أفكر إذن أنا موجود" إنها قضية تستعصي على أي شك مهما كان
مبالغا فيه. يقول ديكارت: "في كل مرة أفكر في هذه القضية لا أستطيع على
الإطلاق أن أشك في أنني أفكر، أي أنني كائن مفكر. فهذه القضية تثبت، بما لا يدع
مجالاً للشك، وجودي بوصفي شيئا مفكرا." والسؤال الآن: ما الذي يجعل هذه
القضية يقينية وحقيقية؟ هل هو مطابقتها لواقع ما؟ كلا! إن يقينها يرتكز على وضوحها
وتميّزها. يرى ديكارت أن الأشياء التي ندركها بوضوح وتميّز شديدين هي
أشياء حقيقية (أي صادقة).
يريد ديكارت أن يقول لنا: يجب ألا نقبل بمعرفة ما
لم تكن واضحة ومتميّزة. كذلك، فلكي أعرف مدى صحة أفكاري لا أحتاج لمقارنة هذه
الفكرة بالواقع، وإنما فقط أتساءل عمّا إذا كانت واضحة ومتميزة. فإذا كانت كذلك
فهي فكرة صحيحة، وإذا لم تكن كذلك فهي فكرة خاطئة. إن صفتي الوضوح والتميز
عندما تجتمعان في معرفة ما، تجعلانها معرفة بديهية. فالبداهة إذن هي
الاسم الجامع للوضوح والتميّز. ولكن هل يمكننا أن نعرف كل شيء معرفة بديهية؟
ذلك ليس ضروريا يقول ديكارت. يكفي أن ندرك مبادئ المعرفة وأسسها إدراكا
بديهيا وذلك من خلال طريقتين هما: الحدس من جهة والاستنباط من جهة
ثانية. إذ بواسطة الحدس ندرك الحقائق الأولية البسيطة، وبواسطة الاستنباط
نستنتج من هذه الحقائق البسيطة قضايا أخرى تلزم عنها بالضرورة. إن "الحدس"
و"الاستنباط" حسب ديكارت هما الوسيلتان اللتان تقودانِنا إلى
الحقيقة.
باروخ اسبينوزا: الحقيقة معيار ذاتها
أما اسبينوزا، فيسير على خطى ديكارت، حيث
يرى أن الحقيقة توجد داخل الفكرة. يقول اسبينوزا: "إن من لديه فكرة
حقيقية يعرف في نفس الوقت أن لديه فكرة حقيقية ولا يمكن أن يشك في حقيقة معرفته".
وهذا يعني أننا لا نحتاج، في حالة تقويم فكرة ما، إلى مقارنتها بشيء يوجد خارجها؛
فـالحقيقة لا تحتاج إلى شهادة من خارجها، لأنها علامة نفسها، لأن الفكرة
الحقة هي الفكرة التي تبرّر ذاتها بذاتها أمام العقل، لأنها ثمرة العقل وحده.
والحال، لفحص فكرة ما هل هي صحيحة أم لا، لا بد، من مقارنتها بموضوعها الخارجي. لكن جرأة اسبينوزا تظهر هنا، في اعتباره أن كثيرا من القضايا لا تتضمن في ذاتها أي علامة باطنية أو شهادة داخلية تبيّن لنا هل هي صحيحة أم باطلة، مثلا: "المدير في الساحة"/ مثل هذه القضايا لا تستحق حسب اسبينوزا، اسم الحقيقة حتى ولو كانت مطابقة لموضوعها. إن القضية الصادقة هي التي تحمل في ذاتها علامة صحتها، وتفرض بذلك نفسها على العقل فرضاً. فمثلا مجموع زوايا المثلث هو 180 درجة، هذه القضية حقيقية، وأنا لا أحتاج لمعرفة صِحتها إلى العودة إلى الواقع لمعرفة ما إذا كانت زوايا المثلث تزيد أو تقل عن 180 درجة. إن هذه القضية تحمل علامة صحتها في ذاتها، وعلامة صحتها هي البداهة (évidence). وهكذا يرى اسبينوزا أن الفكرة الحقيقية هي الفكرة الأكثر وضوحا والأكثر يقينا مثلما أن النور يعرِّف بنفسه ويعرِّف بالظلمات، فإن الحقيقة هي معيار ذاتها ومعيار الخطأ.
خاتمة
في الختام، إن مسألة معايير الحقيقة مسألة إشكالية محيّرة: فهل تتمثل الحقيقة في بداهة أفكارنا، أم في التطابق مع التجربة، أم أن الحقيقة هي معيار ذاتها؟ لقد شغلت ماهية الحقيقة ومعاييرها الفلاسفة عبر العصور وستبقى تحرك الفكر الفلسفي مادام هذا الأخير تفكيرا نزيها يأمل في انتزاعنا من قوقعة اليقينيات والآراء والأحكام المُشْبعة بالنزعات الذاتية أو الخصوصيات الضيقة، والتحليق بنا في أفق الموضوعية والكونية. لكن يبقى السؤال سليل المشكلة: لمَ البحث عن الحقيقة؟