مفهوم طه عبد الرحمان للإبداع (نقد)

نقد مفهوم طه عبد الرحمان للإبداع

ذ. منعم السحمدي


المفكر المغربي طه عبد الرحمن (1944-....)
مقدمة  

تواترت الآراء بين المفكرين العرب المعاصرين (عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمن...) في النظر إلى التراث الفلسفي العربي الإسلامي؛ قضاياه وإشكالاته شكل حجر عثر أمام الدخول إلى الحداثة. فمنهم من قال بأن نفكر في التراث بشكل تراثي (الجابري)، وآخر دعى إلى ضرورة التخلي عنه أو »طي الصفحة « كما يقول "العروي". ومنهم من قال بالإبداع شرط الحداثة...إلخ وحول هذا التصور الأخير، الذي يعود للمفكر المغربي المعاصر "طه عبد الرحمن" هو الذي يهمنا في هذه الورقة. حيث يرى أن على العرب أن يبدعوا فلسفتهم الخاصة، وحداثة خاصة بهم، حيث أرجع المشكلة إلى مفهوم الإبداع ذاته، مستلهما إياه من الغرب الأوروبي وبالخصوص لما تعلق الأمر بأعمال الترجمة. وعليه سنعقد صفحات  قليلة العدد للحديث عن مفهوم الإبداع كما تصوره طه عبد الرحمن ونرد عليه بين موضع وآخرحول إشكالية الترجمة أو إشكال الصلة بين الفلسفة والترجمة والتي بحثها "طه" من خلال الأصل الديني للترجمة، والأطوار التي تمر منها، وطرق الترجمة العربية للفلسفة، والقول في وجود نوعين من التداخل بين الترجمة والتأليف سبب هذا النقد. ناهيك عن دور السريان الذي شكل حلقة وصل بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليونانية الذي بدوره يعتبر ردا على فيلسوفنا حول مسألة الترجمة. وكل هذا وذاك، من أجل البحث عن رصانة وأصالة الفكر العربي. ومنه كان لابد أن نبحث ما نبحثه من خلال إثارة هذه الأسئلة: هل الفلسفة الإسلامية العربية ترجمة حرفية (littéralement) عن اللغة الفلسفية اليونانية؟ وإذا كان الأمر كذلك، بماذا تتميز مفاهيم الفلسفة الإسلامية عن الفلسفة اليونانية؟ ما المقصود بالإبداع في فلسفة طه عبد الرحمن؟ وماذا يعني بتبعية الفلسفة واستقلالية الترجمة؟ وهل هناك بالفعل تعارضًا بينهما؟ وعلاوة على ذلك، هل يمكن القول إن الفلسفة العربية الإسلامية فلسفة لا إبداع فيها؟

أولا: الإبداع 


   لا يعتبر الإبداع مفهوما نظريا بل مفهوم تقني (يخضع لمنطق التقنية) لا يكشف عن منطلق العلم ولا الفلسفة كما أنه ليس مفهوما للبحث عن الحقيقة. إن التقنية قائمة على التجاوز إلى ما لانهاية، لذلك "لا يمكن تجاوز الحقيقة وهي تتغير؛ بل المفاهيم والمناهج هي التي تتغير".  إذ إن التجاوز والإبداع مفهومان متلازمان. أما المنطق التقني الذي تبناه طه عبد الرحمن بغير وعي يرى أن كل من يبدع فهو حداثي. 

   الآن، سنرى كيف تناول طه عبد الرحمن مفهوم الإبداع.

   يتساءل في مقدمة الكتاب عما إذا كانت الفلسفة الإسلامية العربية مجددة ومبدعة بالإضافة إلى المنقول الفلسفي، قديمه وحديثه، أم هي منحصرة في تقليده، مقتصرة على اتباعه؟ والإبداع نقيض الاتباع، اقترن في الأذهان بمفهوم "الانقطاع" وذلك على معنيين اثنين:

أحدهما: الانقطاع عن المنقول الفلسفي: فلا إبداع في الفلسفة الإسلامية العربية ما لم تأت بفلسفة تختلف في إشكالاتها وأدلتها عن المنقول الفلسفي.

والثاني: الانقطاع عن المأصول الديني: فلا إبداع فلسفي في الفكر الإسلامي العربي ما لم يتم فيه قطع الصلة بالاعتقادات الدينية.

   يقول طه عبد الرحمن: وإذا نحن تعمقنا في مفهوم الإبداعّ درجة، ظهر لنا أن الانقطاع المزدوج الذي ينبني عليه انقطاعا يعسُر تحقيقه، إن جمعا أو فرقا، فحسب، بل إن القائل به، وهو إما منتسب إلى المنقول الفلسفي، وإما متبع لهذا المنقول، واقع في التناقض؛ وذلك من وجهين اثنين:

أحدهما: أنه يشترط، في حصول الإبداع الانقطاع عن المنقول الفلسفي، وهو لا يقر بفلسفة على غير مقتضى هذا المنقول الفلسفي، إما لأنه لا يقتدر على أن يحصّل في نفسه تصورا لفلسفة تخالف مقتضياتها مقتضيات هذا المنقول... يترتب على ذلك، أن المنقطع عن المنقول الفلسفي قد يبدع فلسفة على غير قانون هذا المنقول، فيرد القائل بهذا الانقطاع إبداعه.

والثاني: أنه يشترط، في حصول الابداع، الانقطاع عن المأصول الديني، وهو يحصر الصيغة الدينية في هذا المأصول، إما لأنه ليس في طاقته أن يتصور فكرا فلسفيا متأثرا بالمعاني الدينية لضيق فهمه للدين، وإما لأنه يحصل هذا التصور في نفسه على التقريب... يلزم من ذلك أن المنقطع عن المأصول الديني قد يتبع دينا على غير قانون المأصول، فيقبل القائل بالانقطاع هذا الاتباع.

   لتأسيس حداثة إسلامية، يرى طه عبد الرحمن أنه لا بد من ضرورة الوعي بالمحدد الإبداعي في الحداثة في المجال التداولي العربي، بأن تكون الحداثة تطبيقًا إبداعيًا، لا تطبيقًا اتباعيًّا؛ فالحداثة لا تنال إلا بطريق الإبداع، بمعنى أنه على الحداثي أن يبدع في تحقيق جميع أركانها (مبدأ الرشد، مبدأ النقد، ومبدأ الشمول)؛ فينبغي أن يبدع في توسيع أفعاله وتفصيله بينها، وان يبدع في استقلاله عن غيره، بل أن يبدع في إبداعه؛ كما ينبغي أن يبدع في توسيع أفعاله إلى مختلف المجالات وتعميم مبدَعاته على ما عداه، فليس الإبداع وجهًا واحدًا يقف عنده، وإنما وجوه عدة يخيَّر بينها. «فهل معنى هذا أن العقل النظري لا يبدع؟ 

   عموما، يسهم الوعي بخصوصية واقع الحداثة الغربية في الكف عن استيراد منتجات الواقع الحداثي؛ بغية تحقيق التحول الحضاري المنشود، فالأصل أن نبدأ من روح الحداثة لا من تطبيقاتها... وإذا يسهم الوعي بأصالة روح الحداثة في إمكانية التأسيس لحداثة عربية، لا تنطلق من التطبيق الحداثي الغربي، وإنما تنطلق من خصوصياتها الثقافية والسياسية والدينية.

   يرى طه عبد الرحمن أنه لابد من الوعي بأصالة روح الحداثة، "وليست روح الحداثة، كما غلب على الأذهان، من صنع المجتمع الغربي الخالص، حتى كأنه أنشأها من عدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره، إذ أن أسبابها تمتد بعيدا في التاريخ الإنساني الطويل".

   إن القول بالانقطاع كشرط للإبداع يؤدي إلى نقيض مقصوده، إذ ينتهي الأمر بقائله إلى رد الإبداع الصحيح وقبول الاتباع الصريح؛ فقد يكون المنقطع عن المنقول الفلسفي متفلسفا بفلسفة مخالفة، فلا يُقبَل تفلسفه، على حصول الإبداع فيه، وقد يكون المنقطع عن المأصول الديني متدينا بدين مخالف، فلا يرد تدينه على حصول الاتباع فيه. وإذا صح أن التفلسف ممكن تحققه على غير مقتضى المنقول الفلسفي وان التدين ممكن وقوعه داخل هذا المنقول الفلسفي نفسه، صح معه أن بيان حقيقة الإبداع في المجال الفلسفي يحتاج إلى أن تتقدمه مراجعة للتصور المتوارث عن الفلسفة. ولما استقر رأينا على أن مسألة الإبداع الفلسفي في سياق التمسك بالترجمة لا سبيل إلى حلها ما لم تحصل مراجعة مفهوم» الفلسفة «،وأنه لا مطمع في هذه المراجعة ما لم يتم النهوض بـ"فقه الفلسفة" والابتداء فيه بالوقوف على حقيقة الصلة الواجب قيامها بن الفلسفة والترجمة...

ثانيا: الترجمة


   عرف القرنين الثالث والرابع للهجرة أوج ترجمة العمل الفلسفي بامتياز، وتميزت تلك الحقبة بوفرة الإنتاج في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية والأدب والتاريخ والترجمة وقواعد اللغة والخط السرياني. وكانت السريانية لغة للعلم والفلسفة والتجارة... 

   يتطرق "طه" في الباب الأول من مؤلفه الموسوم بـفقه الفلسفة (ج. 1) إلى إشكال الصلة بين الفلسفة والترجمة والذي يرى أنها تتم من خلال تعارضات صريحة بينهما كما نجد في الأصل الديني.

   ينبني الأصل الديني للترجمة حسب "طـه" على مبادئ أربعة أساسية: اثنان منهما يرجعان إلى قصة بابل، وهما " مبدأ الخفاء المعنوي" و "مبدأ التفاهم البعيد"، واثنان آخران يرجعان إلى ترجمة الإنجيل، وهما: "مبدأ الدعوة" و "مبدأ الوساطة" وظلت هذه المبادئ تلازم الترجمة، نظرًا وعملًا، وتهيمن على عقول المترجمين و نقولهم، سواءً وعوا بذلك أم لم يعوا. لكن هذا المشكل المتعلق بالأصل لا يهمنا هنا بقدر ما سنبحث الأهم منه وهو كيف أن الترجمة أصبحت عقيمة في توصيف طه عبد الرحمن؟ حيث سنعمل على تبيان آراءه في مسألة التعارض بين تبعية الفلسفة واستقلالية الترجمة من خلال معرفة الأطوار التي مرت منها حركة الترجمة كما صاغها الكاتب؟ 

تمر عملية النقل- وفقا لتصور طـه- عبر أطوار ثلاثة على الأقل، وهي: 

  1. طور التحليل: استخراج العناصر المكونة للجملة وتحديد العلاقات الدلالية التي تربط بينها.

  2.  طور النقل: على المترجم أن ينقل هذه البنى المقدرة للجملة الأصلية إلى ما يقابلها في اللغة الناقلة.

  3.  طور الصياغة: التوسل بالعمليات التحويلية المناسبة مع مراعاة مقتضيات التركيب في اللغة الناقلة.

   لكي نوجز القول ونتجنب التفاصيل الدقيقة حول ما خلص إليه طه عبد الرحمن حول علاقة الفلسفة بالترجمة بيننا وبين الغرب هي أن  "الترجمة أصلا والفلسفة فرعا" عند العرب، والعكس هو الصحيح بالنسبة إلى الغرب. 

   تمر الترجمة على أطوارٍ ثلاثة حسب "طه" وهي: طور ابتداء النقل (وهذا الذي يهمنا هنا) ثم طور إستصلاح النقل وطور استئناف النقل.

طور ابتداء النقل عند "طه" بمثابة  الترجمة  الأولى التي وضعت لكل نص فلسفي يوناني سواء كانت نقلا مباشرا من اللغة اليونانية أو كانت نقلا بواسطة لغة غيرها. وما يميز هذا الطور حسب طه ما يلي:

أنه أول عهد للمجال العربي بالفكر المسمى "فلسفة"؛ أما ما قبل هذا النقل، فلا يمكن الجزم إلا بوجود معرفة يأتي المؤرخون أن يصنفونها ضمن الفلسفة وهي ما كان يدعى بـ "حِكم العرب". وأمام هذا الوضع الأول للنقل يمكن أن يحصل فيه خلط و خبط  في المعاني الفلسفية فيرجح أن يجعل تقبلها وتجدرها في المجال التداولي العربي يتعثران فيه تعثرا.

نتج عن هذا الطور ظهور فروق عدة تتصل مضامينها  بالمعرفة الإسلامية المأصولة نحو"الفكر الفقهي"، الفكر الكلامي"، الفكر التفسيري"، والفكر الصوفي". ويرجع هذا الترسيخ للفروق وهذا التشديد للمصادمة اللذين وقع فيهما المترجمون إلى أسباب متنوعة: فمنها القصور في ضبط المقتضيات التداولية العربية كضعف السليقة في اللسان العربي وتجاهل مضمون العقيدة الإسلامية والجهل بالتوجه العملي للمعرفة الإسلامية.

   فتح العرب بلاد الشام والعراق وأعجبوا بالحضارة المنتشرة فيها طلبوا إلى السريان نقل التراث العلمي والفلسفي إلى اللغة العربية. وكان النقل في بادئ الأمر من السريانية إلى العربية، ثم اتجه النقلة بعد ذلك إلى الترجمة من اليونانية إلى العربية.  إن السوريان بصورة عامة حلقة الاتصال بين العرب واليونانية وعنهم عَبَرَتِ الثقافة اليونانية إلى العرب. هم قوم من النصارى كانوا يتكلمون اللغة السريانية، لغة الآراميين القدماء الذي كانوا يسكنون في العراق وبلاد الشام. 

   نظرة طه عبد الرحمان للنقلة من اللغة السريانية تلخص في المجمل عدم تقبله للآخر والحوار معه، وعدم إقراره لما قدمه الفلاسفة العرب المسلمون كابن رشد (Averroès) ومساهماته التي عرفت في الغرب الأوروبي بـ"الرشدية". كتب يقول "لا ننسى أن لغة هؤلاء المترجمين الأصلية هي السريانية، وأن عقيدتهم الغالبة كانت هي المسيحية؛ فجاءت نقولهم الأولى على قدر من الركاكة في العبارة والفجاجة في المضمون؛ ومن هذه الأسباب أيضا أُلفتهم بأفكار ومعتقدات توافق مضامين النقول، حتى إنهم لا يرون الفروق حيث يراها غيرهم، ولا يشعرون بآثارها في النفوس مثلما يشعر بها من عداهم؛ ومنها كذلك أخذهم بتصور في الترجمة ينبني على اعتقادهم أنه بالإمكان التعبير عن كل مقصود في لغة الأصل بمجرد استخلاصه من صيغته فيها وترجمته عن كل مقصود في لغة الأصل بمجرد استخلاصه من صيغته فيها وترجمته إلى صيغة مثلها في لغة النقل، فضلا عن تسليمهم بأن تجارب الإنسان في الكون واحدة ومذاهبه في التفكير متطابقة وأشكال معرفته متجانسة". وبالفعل كان "طه" مجحفا في حق النقلة الذين أخذوا عن السريان لما رد كل هذه التراجم إلى الخلفية التي كان يتبناها هؤلاء، فنحن لا يهمنا منطلقات ومرجعيات الباحثين بقدر ما يهمنا هو طريقة تفكيرهم والمبادئ التي توصلون إليها.

   لقد كان الغالب على الترجمة العربية للفلسفة اليونانية أن لغات مختلفة توسطت فيها توسطا أثر تأثيرا سيئا في العلم بمضمون الفلسفة:

  1. التوسط الظاهر (عامل اللغة السريانية في عملية النقل ودورها في التكوين الفلسفي عند العرب)؛

  2. التوسط الخفي ( ويقصد به، النقل الذي يتم انطلاقا من الأصل مع حصول الاستعانة بنموذج نقلي لا يكون هو ذاته نقلا لهذا الأصل نفسه)؛

لقد شاع عن الترجمة العربية للفلسفة اليونانية أنها استخدمت النوعين من طرق النقل الذين مارستهما الأمم التي تقدمت أمة العرب، وهما "الترجمة الحرفية" و "الترجمة الحرة". هما ترجمتان نقلهما "طه عبد الرحمن" عن "صلاح الدين الصفدي" وهذا بيانهما:

  • الترجمة الحرفية (مقابلة اللفظ باللفظ أو ما يسمى بالترادف الدلالي)

  • الترجمة الحرة (مقابلة المعنى بالمعنى أو لنقل التطابق) 

الترجمة الحرفية حسب "طه" رديئة والتي ذكرها "الصفدي" نظرا لاعتبارات ثلاثة وهي:

أولها، الاخلال بمبدأ التفاوت بين المعجم اليوناني والمعجم العربي، إذ ليس كل لفظ يوناني يقابله بالضرورة لفظ عربي.

والثاني، الإخلال بمبدأ التباين طرق التركيب في العربية وطرق التركيب في اليونانية، فليست كل نسبة إسنادية في اليونانية تطابقها نسبة إسنادية من جنسها في العربية.

والثالث، الإخلال بمبدأ الاختلاف بين أساليب المجاز في اللغتين العربية واليونانية، فليس كل استعمال مجازي يوناني يوجد له في اللسان العربي وجه مجازي يساويه.

   توصلنا إلى حد الآن كيف ان مهمة الترجمة مهمة شاقة فهي تتعدد بتعدد الطرق لكن يظل السؤال مرتبط بالسياق الذي تظهر فيه موضوعات التفكير وطريقة استعماله إذا جاز هذا التعبير. لإبراز ذلك التداخل بين الترجمة والتاليف. أما في فلسفة "طه" نجده يقف عند نوعان من التداخل وهما: 

التداخل المتصل (تتميم عبارة المؤلف وربطها بالمجال التداولي الإسلامي العربي كأنها تبدو عبارة صادرة من هذا المجال، وليست واردة عليه)

التداخل المنفصل ( فصل عبارة المنقول عن المجال التداولي الإسلامي العربي، بحيث يصوغ المؤلف عبارته على الوجه الذي يجعلها تبدو كأنها بنت المجال التداولي للعبارة المنقولة)

   ويستفاد من هذا أن التداخل المتصل يَدمج المنقول الفلسفي في الممارسة الفكرية الإسلامية العربية، بينما التداخل المنفصل، على العكس من ذلك، يعمل على تغطية أوصاف هذه الممارسة الفكرية بأوصاف المنقول. والخلاصة، غلبت على الفلاسفة المسلمين حسب طه عبد الرحمن ممارسة هذا النمط الاخير من التداخل "مما أدى إلى وصفهم بالافتتان بفلاسفة اليونان ونسبة إنتاجاتهم إلى التقليد الأعمى لفكر هؤلاء". ويَعتبر ابن رشد ممن غلُب عليه هذا التداخل بين النقل والتأليف نهايته، فلا نستغرب أن يُنْعَت بأشد صفات التقليد، وهي " اتباع الفيلسوف اليوناني في زلاته"؛ ومعلوم أنه لا زلة أعظمُ عند الفلسفة التقليدية من الوقوع في التناقض، فيجوز إذن أن يكون ابن رشد قد تابع الفيلسوف اليوناني في بعض تناقضاته على الأقل.

على سبيل الختم

    إن المشاكل في الفلسفة مشاكل مفهومية وليست لغوية-تُرجمية فمكانة المترجم هي مكانة ذا بالٍ وسلطة وبمقدور المترجم أن يعلن الحرب إذا أراد ذلك. لذلك، لولا العربية لما ظهرت فلسفة ابن رشد أو الرشدية. لكن ما يؤخذ على الفكر العربي المغربي المعاصر هو أنهم لا يعلمون بكونية الفلسفة العربية وهو ما يفسر ذلك الخلط بين المفاهيم النظرية والمفاهيم العملية الذي وقع فيه المفكرين العرب عامة وطه خاصة؛ لقد وقعوا في حبال التصور الغربي وهم لا يشعرون والأكثر من ذلك، يقبلون بالحداثة الغربية ويرفضون التربة التي نشأت فيها. لكن السؤال الذي يعترضنا هنا -ما دامت المشكلة هي مشكلة عدم توضيح المفاهيم- هو: ألا يكون الإبداع ذاته مشكلا؛ أي: شروطه وإمكاناته؟


تعليقات