الرأي والحقيقة

 


مفهوم الحقيقة (vérité)

المحور الأول: الرأي والحقيقة


عُرّفت الفلسفة منذ نشأتها مع أفلاطون وأرسطو بأنها المعرفة التي تسعى إلى الحقيقة دون امتلاكها أو ابتغاء منفعة أو مصلحة أو شهرة. ومن هذا التعريف نستشفّ أن الفلسفة خطّت لنفسها مسارا يختلف كثيرا عن الحس المشترك والرأي. ما الرأي؟ وما الحقيقة؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟

لقد حارب أفلاطون كثيرا من أجل عدم خلط التفلسف الصحيح مع التفلسف الزائف على طريقة السوفسطائيين، أولئك الرجال الذين ادعوا أن لكل واحد حقيقته، وأن الحقيقة تختلف من شخص لآخر، وبذلك خلطوا بين الرأي والحقيقة واعتبروا الرأي هو نفسه الحقيقة. إن الحقيقة حسب أفلاطون تتصف بكليتها وثباتها ودوامها؛ فما هو حقيقي اليوم سيكون كذلك غدا ودائما، وسيكون حقيقيا بالنسبة إلى الجميع، وإلا لن يكون حقيقة. في حين أن الرأي يتصف بالنسبية وعدم الثبات.

ولإدراك طبيعة العلاقة بين الرأي والحقيقة، يقسم أفلاطون العالم إلى قسمين: "عالم محسوس" و"عالم معقول". ويرى أن كل معرفة تبقى منحصرة في عالم الأشياء المحسوسة ستظل دائما معرفة ظنية (تتعلق بالآراء)، وذلك لأن هذا العالم ما هو إلا مجرد نسخة باهتة ومشوهة لعالم حقيقي آخر منفصل عنه، هو عالم المعقولات، وهذا الأخير هو وحده الحقيقي، والذي لا يمكن إدراكه إلا بالتأمل العقلي الصّرف.

وفي سياق مماثل، إلى حد ما، أراد الفيلسوف "روني ديكارت" أن يشيد صِرح المعرفة على أسس جديدة وراسخة وصلبة وعلى مبادئ أكثر يقينا. حيث أكد في كتاب "التأملات" أن فكرنا مليء بالآراء والأحكام المسبقة. وإقامة المعرفة على أسس سليمة أمر يستلزم تطهير الفكر وتحصينه من هذه الآراء والأحكام. فالشرط الأول لاكتشاف الحقيقة يقتضي التخلص من كل ما يختلط بها ويمنع من تمييزها بوضوح. وما يختلط بالحقيقة ويتلبّس بها هو الآراء الغامضة التي رسّخت في أذهاننا من طرف مُربينا وعادات عصرنا والوسط الذي فيه نعيش. والوسيلة التي تمكننا من هذا التطهير هي الشك. إن ديكارت يريد أن يقول لنا: "جئنا إلى هذا العالم لا لكي نتلقى الحقائق، بل لكي نبني الحقائق."

يتفق باشلار مع هذا النقد، لأن ما عرفته الفيزياء المعاصرة بعيد كل البعد عن المعرفة العادية (الرأي) ومفاهيمها وعالمها. يعلن باشلار أن التعارض بين العلم والرأي تعارض جذري، والعوائق التي تواجه تكوّن العلم وتقدمه يمكن جمعها في كلمة واحدة هي الرأي. إن التعارض بينهما يقوم على اختلاف أساسهما ومجالهما: فما يوجه المعرفة العلمية هو البحث عن الحقيقة والرغبة في معرفة الواقع؛ أما الرأي، فينبني على المنفعة والفائدة، ولا يمكن عدّه فكرا، وليس له أساس إبستمولوجي، كما أنه لا يرتكز على مبادئ معرفية واضحة ومتماسكة. إن غاية الرأي هي إرضاء الحاجات والرغبات في الحياة المعتادة، ولهذا لا يمكن اعتباره معرفة بل عائق ينبغي تجاوزه.

إن التفسير العلمي يقوّض الرأي ويتجاوزه في آن واحد. لذلك صاغ باشلار مفهوم القطيعة الإبستمولوجية باعتبارها انقلابا و تحولا في العلم ذاته، لأن المشكلات العلمية لا تطرح نفسها بنفسها، بل ينبغي على العالِم أن يصنعها ويَبنيها، فلا شيء يُعطى، بل في العلم كل شيء يُبنى. إن العلم لا ينطلق من الواقع، بل ينتهي إليه ويبرهن عليه.

 هكذا، يتفق فلاسفة من أزمنة مختلفة على أن الرأي عائق أمام المعرفة الحقة. إنه زائف وخادع، بل هو خطر عندما يسعى إلى فرض نفسه بإخفاء هشاشته وضعف أسسه تحت مظاهر البداهة و اليقين، وتقديم نفسه على أنه معرفة حقة.

تعليقات