معايير علمية النظريات العلمية
(القابلية للتكذيب وتعدد الاختبارات أنموذجان)
1) معيار "القابلية للتكذيب" لدى كارل بوبر (1902-1994)
2) معيار "تعدد الاختبارات" عند بيير تويليي (1927-1998)
ينتقد الإبستمولوجي الفرنسي "بيير تويليي" بدوره معيار التحقق، ويرى القول بأن النتائج التي تستنبط من النظرية يمكن التحقق منها بالتجربة، هو قول مبسط ويحتاج إلى إعادة نظر. ذلك لأن القيام بتجربة علمية يقتضي تعاون نظريات متعددة. ثم إن التحقق التجريبي لا يقدم دليلا حاسما لصالح النظرية (وهذه انتقادات قريبة من انتقادات بوبر). يؤكد تويليي على أطروحة مفادها: إن إثبات صدق النظرية لا يكفي فيه التحقق منها مرة واحدة فقط، بل هو أمر يقتضي تنويع الاختبارات التجريبية، ومقارنة هذه الاختبارات فيما بينها. كما يعتبر معيار التحقق هو واحد من بين المعايير الممكنة لاختبار النظريات، إذ هناك معيار آخر له مكانة مركزية، في تكوين العلم، وهو اختبار التماسك المنطقي للنظرية. إنه معيار داخلي يولي أهمية للترابط المنطقي الدقيق بين مكونات النظرية (مبادئ، مفاهيم، قوانين...) اعتمادا على قوانين المنطق. إن شرط التماسك هو عدم حصول تناقض بين مبادئ النظرية ونتائجها معاً. وواضح إذن أنه ليس للتجربة دور هنا. ولكن "تويليي" لا يقول بأن معيار تعدد الاختبار هو وحده المميز للعلم، بل هو واحد من بين معايير أخرى أهمها معيار الاختبار بأوجهه المتنوعة.
حاصل القول، إن الهيكل الإبستمولوجي يقتضي منا الإقرار بأن موضوعا جديدا ينتج عنه منهجا جديدا بمفاهيم جديدة إذن علم جديد. وهذا يعني أن تاريخ العلم هو تاريخ لحل مشاكل مطروحة من قبل. إن نسقا نظريا يظل مقبولا من قِبل العلماء حتى يواجه مشاكل يعجز عن حلها فيأتي نسق نظري جديد أكثر قدرة من سابقيه على التفسير وحل المشاكل، وهكذا دواليك. إن النظرية الصحيحة هي النظرية التي تصمد أمام الواقع (أو الأقرب إلى الواقع). إلى جانب هذا يعتبر التصنيف أمر طبيعي في البحث العلمي ويمكن بواسطته أن تحل النظرية محل الواقع ومن ثمة الاستغناء عنه عندما تصبح النظرية ناضجة ومكتملة. ولذلك يقول "بوبر" إن تاريخ العلم هو تاريخ المحاولات والتفنيدات، وأن مآل كل نظرية في نهاية المطاف هو التكذيب. وما يمكن أن نقوله في الأخير، إن الحوار والنقد هو ما يجعل البحث العلمي في تقدم وتطور ذلك لأن إعادة البناء أمر ضروري في هذا التقدم. وبالجملة، إن تاريخ العلم حسب باشلار ما هو إلا تاريخ أخطاء تم تصحيحها.
.jpeg)