مفهوم التاريخ
دور الإنسان في التاريخ
(هيغل - ماركس - سارتر - ماكيافيل)
إن التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ هو استمرارية للتساؤل حول منطق التاريخ، من زاوية الفاعلية الإنسانية. فهل للإنسان دورا في التاريخ؟ هل الإنسان فاعل تاريخي وصانع لتاريخه أم أنه خاضع له؟ وبعبارة أخرى، هل الإنسان فاعل في التاريخ، أم أنه هو نفسه صنيعة التاريخ ونتاج لشروطه؟ أليست الأحداث التاريخية من صنع الإنسان والقدر والقضاء معا؟
هيغل: مكر التاريخ
يعتبر هيغل أنه في التاريخ تتجلى الروح وتكشف عن نفسها بالتدريج، يرى أن هذه الروح تتحقق عبر وسائل خارجية هي أفعال الناس النابعة من حاجاتهم ورغباتهم الخاصة ، لكن هذه الحاجات والرغبات والمصالح هي التي تستعملها الروح لكي تصل إلى غاياتها. إن الشعوب والأفراد يسعون إلى تحقيق منافعهم الخاصة من خلال أفعالهم (عن طريق الفكرة "idée") ولكنهم في الحقيقة، يخدمون غاية أسمى تتجاوز ما يسعون إلى الوصول إليه دون أن يدركوا ذلك وهذا ما يسميه هيغل بمكر التاريخ.
إن "مكر التاريخ" يجعل الإنسان يعتقد أنه صانع التاريخ، غير أن الإنسان لا ينفذ سوى إرادة التاريخ وفق مسار الروح المطلق. والإنسان من هذا المنظور مجرد وسيلة خاضع للضرورة التاريخية، أو لنقل "الروح الموضوعي" الذي يوجهه ليحقق غاياته. فحتى لو كان هذا الإنسان عظيما فهو لا يصنع التاريخ بقدر ما يصنع التاريخ هذا العظيم. عندما يقول هيغل "روح العالم" أو "فكر العالم" فإنما يعني مجمل الظواهر ذات الطابع الإنساني. ذلك أن الإنسان وحده هو الذي يمتلك "فكرا". وبهذا المعنى نستطيع أن نتحدث عن تطور فكر العالم عبر التاريخ (الافكار، الحياة، الثقافات الإنسانية).يعي روح العالم نفسه حسب هيغل على ثلاثة مراحل وهي:
1) يعي روح العالم نفسه في الفرد ويسمى بالعقل الذاتي؛2)الأسرة أو الدولة ويسمى العقل الموضوعي لأنه عقل يتجلى من خلال تواصل الناس فيما بينهم؛3)إن روح العالم يبلغ أعلى شكل المعرفة بذاتها في الوعي المطلق، والوعي المطلق هو الفن، الدين، الفلسفة حيث تمثل هذه الأخيرة الشكل الأكثر سموا للعقل.طالما أن روح العالم إنما يفكر، فيها، بنشاطه الخاص على امتداد التاريخ، إذن فإن روح العالم لا يتحقق ويبلغ مساواته الكاملة مع نفسه، إلا في الفلسفة. ويمكن أن نمضي إلى حد قول إن الفلسفة هي "مرآة" روح العالم.
إن الحقيقة ذاتية بشكل أساسي، ولا يعتقد بإمكان وجود حقيقة خارج أو فوق العقل البشري، فكل معرفة هي برأيه معرفة إنسانية وبالتالي فهي كونية. إن الفلسفة منهج لفهم حركة التاريخ. وتعلمنا أن نفكر بطريقة فعالة ومن ثمة ليس هناك من "حقائق أبدية" لذلك فإن القاعدة الصلبة الوحيدة التي يستطيع الفيلسوف أن يعمل انطلاقا منها، هي التاريخ نفسه.
ماركس : الإنسان صانع التاريخ
ينتقد كارل ماركس تصور هيغل معتبرا إياه تصورا مثاليا يقلب حقيقة الأمور. فالناس حسب ماركس يصنعون تاريخهم عندما يسعون إلى تغيير عالمهم، أي عندما يسعون إلى تغيير الأساس المادي لوجودهم الاجتماعي والذي يتمثل في علاقات الإنتاج؛ غير أن الناس لا يصنعون التاريخ وفق رغباتهم وأمانيهم. إن فعلهم في التاريخ ليس عشوائيا؛ لأنه يتم في إطار شروط معطاة مسبقا وموروثة من الماضي.يؤكد الفيلسوف الألماني ماركس على أن التاريخ يسير دائما نحو التقدم، وذلك من أجل بلوغ غاية محددة تكون بداية حقيقية للتاريخ البشري، ويوضح ذلك من خلال عرض لمنهجه الجدلي (الديالكتيكي) المادي التاريخي الذي أبان من خلاله على أن التاريخ الذي قطعته البشرية كان لأجل غاية التحرر من مختلف أشكال الصراع الطبقي، الذي يظهر في مختلف مراحل تطور المجتمعات البشرية بدءا من المجتمع البدائي مرورا إلى المجتمع الفيودالي فالرأسمالي وصولا إلى المجتمع الإشتراكي حيث نهاية مجتمع الطبقات.
سارتر: الإنسان صانع التاريخ
إن الإنسان فاعل صانع للتاريخ متى تمكن من الوعي بشروط هذه الصناعة، عبر التعالي على كل الشروط الموضوعية وتجاوزها لتحقيق مشروعه الذي هو عبارة عن حقل من الممكنات يختارها بنفسه، ومن ثم يساهم في نشأة التاريخ وصناعة وقائعه وأحداثة وذلك بممارسة حريته عبر حركة "البراكسيس" كفاعلية بشرية تستهدف التغيير ليصبح الإنسان. يقول "إن الفرد يصنع التاريخ عندما يتجاوز وضعيته نحو حقل ممكناته".
مكيافيل: التاريخ من صنع الإرادة الإنسانية والقدر والقضاء معاً
إذا كان سارتر يرى بأن الأحداث التاريخية لا تقع نتيجة لأي مخطط خارجي سابق، كما أنها لا تندرج مطلقا تحت أي نظام محدد أو مقرر سلفا. فإن المفكر والسياسي الإيطالي نيكولا مكيافيل يرى عكس ذلك، فهو يقول بأن الأحداث التاريخية من صنع الإنسان و القضاء والقدر معاً. إن الأحداث تجري وفقا لمشيئة الحظ. غير أنه لا يتوقف عند هذا الحد، فالإنسان بدوره قادر على تغيير ومواجهة هذا القدر بفضل إرادته القوية (بناء السدود والحواجز لمقاومة الفيضان مثلا) والتحكم فيه بأنفسنا. وهكذا يربط صاحب كتاب "الأمير" التاريخ والأحداث بمكونين أساسيين هما الإنسان والقدر.
من خلال ما سبق، نخلص إلى أن إشكالية دور الإنسان في التاريخ أدت بنا إلى إجابات متعددة. فهناك من يعتبر أن الناس يصنعون التاريخ من خلال شروط واقعية (ماركس) أي أن الأسباب المتحكمة في صناعة التاريخ توجد خارج الإنسان أو عبر عملية البراكسيس والتجاوز (سارتر) لأن الأمر هنا يتعلق بالاختيار. والحال أن للإنسان دور مهم في صناعة التاريخ بالرغم من مكر هذا الأخير لدور الإنسان في صناعته في سبيل تحقيق التاريخ الكلي (هيغل). كما نجد بالمقابل أن الأحداث التاريخية من فعل الناس وبإرادتهم تارة، ومن فعل القضاء والقدر تارة أخرى (ماكيافيل). وهكذا يتضح لنا في الأخير، أن هذه الإشكالية مركبة بحيث لا يمكن أن نتحدث عن الإنسان في غياب التاريخ والعكس أيضا صحيحا إذا تعلق الأمر خصوصا بمعرفة التقدم التاريخي.
ماركس : الإنسان صانع التاريخ
ينتقد كارل ماركس تصور هيغل معتبرا إياه تصورا مثاليا يقلب حقيقة الأمور. فالناس حسب ماركس يصنعون تاريخهم عندما يسعون إلى تغيير عالمهم، أي عندما يسعون إلى تغيير الأساس المادي لوجودهم الاجتماعي والذي يتمثل في علاقات الإنتاج؛ غير أن الناس لا يصنعون التاريخ وفق رغباتهم وأمانيهم. إن فعلهم في التاريخ ليس عشوائيا؛ لأنه يتم في إطار شروط معطاة مسبقا وموروثة من الماضي.
يؤكد الفيلسوف الألماني ماركس على أن التاريخ يسير دائما نحو التقدم، وذلك من أجل بلوغ غاية محددة تكون بداية حقيقية للتاريخ البشري، ويوضح ذلك من خلال عرض لمنهجه الجدلي (الديالكتيكي) المادي التاريخي الذي أبان من خلاله على أن التاريخ الذي قطعته البشرية كان لأجل غاية التحرر من مختلف أشكال الصراع الطبقي، الذي يظهر في مختلف مراحل تطور المجتمعات البشرية بدءا من المجتمع البدائي مرورا إلى المجتمع الفيودالي فالرأسمالي وصولا إلى المجتمع الإشتراكي حيث نهاية مجتمع الطبقات.
