مفهومي النظرية والتجربة
المحور الأول: التجربة والتجريب
لا بد من التميييز بين التجربة
العادية والتجربة العلمية، فالأولى قد تتصل بخبرة اكتسبها الإنسان بفعل الممارسة
والتكرار، فالملاح المتمرس مثلا له خبرة كبيرة بشؤون البحر. بينما التجربة العلمية
هي التجريب العلمي الذي يقوم به العالم داخل المختبرات مستعملا مجموعة من الأجهزة
والأدوات المخبرية كالأنبوب والمجهر والزئبق...الخ. فما المقصود بالتجربة هنا؟ وما
هي خطوات المنهج التجريبي؟ وهل التجربة وحدها أساس بناء النظرية العلمية، أم لا بد
من إكمال الواقعي بالخيالي، أم ماذا؟ وبعبارة أخرى، هل التجربة هي مُنطلق بناء
النظرية العلمية أم منتهاها؟
تجيب النزعة الاستقرائية (أو الإمبريقية) بأن إنشاء نظرية علمية يقتضي الانطلاق من الملاحظات من دون آراء مسبقة. وتؤكد أن على العالِم أن ينقاد للتجربة والوقائع دون أن يسقط على الواقع معتقداته وأحكامه المسبقة. فما هي مقتضيات التجريب ووظيفته؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنتوقف مع رائد المنهج التجريبي الطبيب والبيولوجي الفرنسي كلود بيرنار.
يعرّف كلود بيرنار
(1813-1887) المنهج التجريبي بأنه مجموع القواعد والإجراءات التي بمساعدتها
نُخضع أفكارنا منهجيا لاختبار الوقائع وفق الخطوات المنهجية الآتية:
أ- لحظة الملاحظة (obeservation): وفيها
يُعاين العالِم واقعة معينة تحتاج إلى تفسير وبعدها يتساءل كيف حدثت.
ب- لحظة الفرضية (hypothèse): بعد
الملاحظة الدقيقة للواقعة تتولد في ذهن العالم فكرة (idée) لتفسيرها.
ج- لحظة التجربة (expérience): تقود الفكرة الباحث إلى التجريب عليها
بغاية إثبات صحة الفرضية أو كذبها.
يكون العالم في الخطوة الأولى
مجرد ملاحظ (observateur)، وفي هذه الخطوة عليه أن يكون أمينا ويقتصر على
تسجيل ما يحدث أمامه، تماما مثل آلة تصوير، دون أن يستدل أو يفكر. وبعد الملاحظة
الجيدة تولَد الفكرة؛ وعندئذ على العالم أن يصير مجربا (exprémentateur) أي
عليه أن يفكر في الشروط المادية التي تمكنه من إقامة تجربة للتحقق من فكرته (أي
فرضيته).
لنسوق مثال سقوط الأجسام
عند غاليليو غاليلي (1564-1647) لتبيان
دلالات التجريب العلمي.
اعترض غاليلي على "التجربة
العادية" في الفيزياء الكلاسيكية كما ظهرت مع أرسطو الذي اعتبر أن الأجسام
تطلب مركزها الطبيعي (الدخان مثلا مكانه الطبيعي هو فوق، أما الحجر فمكانه
الطبيعي هو تحْت) وهذا الأمر بالنسبة إلى غاليلي
يشكل عائقا أمام تقدم العلم الفيزيائي أو بالأحرى عدم التمييز بعد بين الظاهرة
الفيزيائية والقانون الفيزيائي.
إن الأجسام الثقيلة لها شوق
وحنين إلى الأرض هكذا قال أرسطو قديماً. لكن غاليلي أوضح أن هذا غير
صحيح. وبرهن على ذلك بواسطة "التجربة العلمية" حيث طبق الخطوات المعمول
بها في المنهج التجريبي وهي: الملاحظة – الفرضية – التجريب
ليصل إلى العوامل المفسرة لسقوط الأجسام على الأرض (الوزن-السرعة-الوسط) التي
تعتبر بمثابة قانون علمي. قام غاليلي بالتجريب العلمي على ظاهرة
سقوط الأجسام مع تنويع الوسط الذي تسقط فيه الأجسام (الماء، الهواء، الزيت،
الفراغ...) وتوصل بعد هذه العملية إلى قانونين علميين خاصين بسقوط الأجسام على
الأرض هما: السقوط والتسارع.
فالقانون الخاص بالتساقط ينصُّ
على أن جميع الأجسام تسقط في الفراغ بسرعة واحدة بالرغم من اختلاف أوزانها؛
بينما ينصّ القانون الثاني المتعلق بالتسارع على أن سرعة الجسم تزداد بازدياد
المسافة التي يقطعها. إذن فقوانين الفيزياء هي قوانين اصطدام الأجسام.
الغاية من هذا المثال: هي
التمييز بين الظاهرة الفيزيائية والقانون الفيزيائي. لماذا تسقط الأجسام؟ لأنها
تشتاق إلى مكانها الطبيعي. هكذا أجاب أرسطو بطريقة عقلانية. وعقلانية أرسطو
تتمثل في أن "الجسم ثابت وجب على السرعة أن تكون ثابتة"، وبالتالي هذه
هي المشكلة، وأصلها هو أرسطو. غير أن هذه المشكلة ستؤجل إلى مجيء غاليلي
حيث سيتطرّق إلى مسألة "التناسب" أي تناسب "الزمان"
و"السرعة" وهذا يسمى بـالقانون، باعتباره هو الذي يصِف
هذه العلاقة التناسبية بين "الزمان" و"السرعة". حاصل القول
إذن، إن القانون يشتغل على الظاهرة الفيزيائية، بينما النظرية تشتغل على القوانين
لإدراك العلاقة بين هذه القوانين. وهكذا يتم الاكتشاف نظرياً أولاً ثم تأتي
التجربة ثانياً.
تعرض التصور الاستقرائي لعلاقة
النظرية والتجربة لانتقادات عديدة: فالملاحظة أو التجربة تقتضي مسبقا نظرية تحدد
ما يجب أن نلاحظه. يقول الفيلسوف كانط
"إذا ذهبت إلى التجربة لن تجد فيها شيئا عدا ما وضعته فيها قبليا" فما
يوجد قبليا هو المفاهيم والأفكار أي أن العقل المجرّب لا يقابل الوقائع وهو خالي
الوفاض بل يقابلها وهو حامل لأفكار معينة كما يرغم الطبيعة للإجابة عن أسئلة هذا
العقل دون أجهزة أو أدوات. إن التجربة لا تفكر بل الذات هي التي تفكر. ومن ثم فإن
التجربة لا تقود إلى الاكتشاف (découverte) بل الغاية منها هي التحقق (vérification) من صدق الفرضيات المقترحة. وبكلمة قليلة
العدد، إن التجربة ليست مبتدأ العمل العلمي، بل هي منتهاه. وهكذا
فإن النظرية نسق(système) غايته تفسير معطيات التجربة. وهذه الأخيرة (أي
التجربة) مجرد إجراءات غايتها التّحقق من صلاحية النظرية.
وفي نفس السياق، تعرض التصور
التجريبي للنقد بشدة من قبل الإبستمولوجيا المعاصرة وخاصة على يد عالم الرياضيات
الفرنسي روني طوم (1923-2002) الذي أكّد على أن الوقائع
لا توحي بأية فكرة؛ فالناس قد رأوا التفاح يسقط منذ آلاف السنين دون أن
توحي لهم واقعة السقوط هذه بفرضية الجاذبية. وعبقرية العالم إسحاق نيوتن
لا تكمن في كونه لاحظ التفاح يسقط، بل في تخيّله لفرضية الجاذبية. فللخيال
إذن دور كبير في اكتشاف النظرية. إن التجريب لا يكفي وحده لكشف أسباب
الظواهر، أي أنه لا يعفي من التخيل والإبداع. لذلك ينادي روني
طوم بضرورة إكمال الواقعي بالخيالي. وهكذا أصبح التجريب من وجهة
نظر الإبستمولوجيا المعاصرة يأتي في نهاية العمل العلمي وليس في بدايته. وأخيرا، رغم وضع آلات ضخمة وأجهزة تقنية دقيقة
بين يدي علماء لا خيال لهم، فإنه من المستحيل عليهم، تجريبيا، تحديد سرعة الإلكترون داخل الذرة مثلا. وتبعا
لذلك، فإن التصور القائل بأن التجربة هي أساس النظرية وأداة اكتشافها إنما هو وهمٌ
يجب رميه في سلة الخرافات الإبستمولوجية.
(يتبع...)
