منهجية الكتابة الإنشائية في الفلسفة
تقديم
الكلمات الرئيسية: المنهجية-المفارقة-المفاهيم-الإشكالية-الحجاج.
إن الكتابة الفلسفة الإنشائية هي هاجس الطلبة والباحثين في أيامنا هذه بعدما أصبحت المعلومة منتشرة في أي مكان، أصبح لزاما التحكم فيما هو منهجي لتصريف هذه المعلومات. ومعلوم أنه لا مناص من الالتزام بمنهجية واضحة ومتميزة يتبعها التلميذ-الباحث من أجل الوصول إلى هدف ما. وهذا في الحقيقة هو ما جعلني أن أضع بين أيديكم هذا المقال المتواضع نزولا عند رغبة المتعلمات والمتعلمين خصوصا في سلك الباكالوريا. ومن خلاله أريد أن أطمئنكم في بدءا بأنه لا شيء يدعو إلى القلق، لأن الكتابة الإنشائية، في آخر المطاف، ليست واحدة بل أنواع متعددة، لكن كلها تصبُّ في اتجاه واحد هو حضور ثلاث قدرات رئيسية في معالجتك لموضوع فلسفي وهي: "الأشكلة" و"المفهمة" و"المحاججة". وهذا في الأخير، لا يختلف فيه مختلف بين صفوف المهتمين بالدرس الفلسفي في أنحاء العالم.
وعموما، في التقليد المدرسي القديم تعلمنا أنا كل موضوع إنشائي يجب أن يتضمن مقدمةً وعرضاً وخاتمةً. أما اليوم، فنعبر عن هذا، بالمطالب الأربعة وهي كالآتي:
1) مطلب الفهم؛
2) مطلب التحليل؛
3) مطلب المناقشة؛
4) مطلب التركيب؛
فما هي خصائص كل مطلب على حدة؟
أولا: مطلب الفهم
عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ،
بادئ ذي بدء، وأثناء لحظة الكتابة الإنشائية الفلسفية، يجب عليك أن تقوم -بعد القراءة المتأنية للموضوع الذي وقع عليه اختيارك- بتأطير عام للنص أو السؤال أو القولة الفلسفية داخل المجال (الوضع البشري - المعرفة - السياسة - الأخلاق) الذي تُعبّر عنه إحدى هذه الصيغ الثلاثة المذكورة. وتضعه، بالتالي، في سياق تاريخ الأفكار أو الإشكالية أو المفاهيم... وبعد ذلك تنتقل إلى تحديد الموضوع (وهذا أهم شيء في لحظة التقديم) وتحديده بدقة والتفكير فيه على نحوٍ إشكالي، لأنه وَضَعَك أمام مفارقة فلسفية (هل...، أم...؟) اختلفت الإجابات حوله. وكذا العمل على تبيان أهمية هذا الموضوع ومبررات الحديث فيه، أي ما نراهن عليه وراء هذا البحث في هذا الموضوع (الشخص، الغير، الحقيقة، الحرية...الخ). ثم تُبسّط هذه الإشكالية إلى أسئلة معبرٌ عنها بعلامة استفهام، تكون في الغالب موجهةً للتحليل والمناقشة، بحيث، تُراعى في صياغتها الانطلاق من العام إلى الخاص.
ثانياً: مطلب التحليل
ماذا نقصد بالتحليل؟ التحليل هو شرح وتبسيط الأطروحة التي أنا بصدد تبيانها بطريقة مفهومية ودقيقة ومكثفة. ذلك أن تبسيط الأطروحة ينطلق من تحديد المفاهيم -فلسفياً- المؤثثة لها، وبيان العلاقة التي تربط بين هذه المفاهيم (ترابط، تضاد، تقابل...الخ؛)، والعمل على شرح تلك الأطروحة من خلال تحليل البنية الحجاجية المعتمدة (في النص أو القولة) أو المفترضة (في السؤال فقط) والتأشير عليها من داخل النص أو من داخل القولة، والأهم من هذا هو تبيان دلالة هذه الحجة أو تلك، أي ما يريد صاحب النص أو القولة أن يقوله لك. أما السؤال فالحجاج تفترضه بنفسك (مثال-مقارنة-تشبيه-اقتباس...). ثم تُنهي مرحلة التحليل باستنتاج (أي ما قيل في التحليل معناه). وأخيرا، طرح سؤال انتقالي (إلى مطلب المناقشة) كأن تقول مثلاً: إلى أي حدٍ يمكن القبول بهذه الأطروحة؟
ثالثا: مطلب المناقشة
المناقشة هي خلق "حوار داخلي" من خلال مساءلة قيمة الأطروحة وذلك بالتأكيد على الأفكار التي جاء بها الكاتب ومدى مطابقتها مع الواقع، ناهيك عن الحجج الموظفة فيها من جهة. وخلق"حوار خارجي" أيضا يبين تهافت هذه الأطروحة على أنها قوية، تصمد أمام كل نقد. إن كل أطروحة لا بد أن تكون محدودة في جميع الأحوال وهو ما يسمح لك بأن تفتح الإشكال على مجال تفكير آخر باستدعاء تصور "نقيض" للأطروحة السابقة من جهة ثانية. وهذا يعني تبيان حدود الأطروحة بمعنى الثغرات التي تركها الكاتب في أطروحته. وهكذا، تنتهي من المناقشة، كذلك، باستنتاج (ما قيل في المناقشة معناه) يستحسن أن يكون على شكل *تعليقٍ* أو *نقدٍ*.
رابعا: مطلب التركيب
وفي الختام، يجب أن تقوم بخلاصة مركزة لما تقدم حول الموضوع المذكور (تذكير بالموضوع) الذي هو عبارة عن تجميع "نتائج" التحليل والمناقشة، وذلك بمقارنة بسيطة بين موقفين. مع إمكان إبداء رأي شخصي حول هذا الإشكال مدعماً إياه بحجج مستقاة من معيشك اليومي. وهكذا تصل أخيرا، إلى أن الإشكال ليس له جواباً شاملاً جامعاً مانعاً، بل ينبغي أن نفكر أيضا في قضايا مثل: الدين، السياسة، العلم، الفن...الخ؛ لمزيد من التوضيح أكثر وذلك عن طريق طرح سؤال مفتوح.
ملاحظات لا بد منها:
- عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ، لا يوجد بين صفوف مدرسي مادة الفلسفة منهجية نموذجية، لكن ينبغي أن يكون الإنشاء الفلسفي فيه مجهود شخصي وإبداع لا مثيل لهما.
- نطبق جميع الخطوات المنهجية في جميع الصيغ الإنشائية بالترتيب سواء في النص أو السؤال أو القولة مع فارق بسيط:
- على مستوى الأطروحة: فهي مركزية في النص والقولة معا. ومفترضة في السؤال فقط كما ينبغي تحليل أداة الاستفهام (هل) التي تفيد التخيير أي نعم أو لا .
- ليس تحديد المفاهيم في التحليل مرحلة وتنتهي، بل يبقى البحث فيها طوال كتابتك بغرض توضيحها.
- على مستوى الحجاج: فهو موجود داخل النص والقولة معاً، ونظرا لقصر وكثافة هذه الأخيرة (أي القولة) فهي قد لا تحتوي على حجج وبالتالي وجب افتراضها كتقديمك لأمثلة من الواقع أو استشهادات فلسفية تدعم بها الأطروحة...
- أما صيغة السؤال -على المستوى الحجاجي- فينبغي افتراض ما أمكن من الحجج (أمثلة من الواقع، مواقف فلسفية...) لتدعيم تلك الأطروحة المفترضة؛
- القولة الفلسفية تكون في الغالب مرفقة بمطلب أو سؤال، وهذا الأمر يوجه أنظارك لما يلزم تبيانه في كتابتك الإنشائية،
- في مرحلة التقديم لا نقدم الجواب عن الإشكال بل مبررات طرح هذا الإشكال (الرهان)؛ فالجواب يكون في مرحلة النهاية، أي في مطلب التركيب.
- المناقشة الجيدة عزيزتي التلميذة عزيزي التلميذ ليست بكثرة المواقف بل بنوعيتها؛ ولا يتعلق الأمر بمعارضٍ ومؤيدٍ إن الأمر كله هو عبارة عن وجهات نظر من مرجعيات ومنطلقات مختلفة.
- يمكن تقديم المفاهيم على الأطروحة أو العكس. كما يمكن إبراز الرهانات وراء التفكير في الموضوع في المقدمة أو تركها حتى إلى مرحلة التركيب.
- تعتبر العبارات المظغوطة في هذا المقال بمثابة العناصر المنهجية الأساسية للكتابة الإنشائية في صيغها الثلاثة: النص، القولة، السؤال.
- يراعى في الكتابة الإنشائية ضرورة حضور الجوانب الشكلية من لغة سليمة وخط واضح وعرض متماسك.
يدعو لك بالتوفيق:
ذ. السحمدي منعم (المغرب).
.jpeg)